أبو الليث السمرقندي
32
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وكصيب من السماء ، معناه : مثلهم كرجل في مفازة في ليلة مظلمة فنزل مطر من السماء ، وفي المطر ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ؛ والمطر : هو القرآن ، لأن في المطر حياة الخلق وإصلاح الأرض ، وكذلك القرآن حياة القلوب ، فيه هدى للناس ، وبيان من الضلالة وإصلاح ، فلهذا المعنى شبه القرآن بالمطر . والظلمات : هي الشدائد والمحن التي تصيب المسلمين ، والشبهات التي في القرآن ، والرعد : هو الوعيد الذي ذكر للمنافقين والكفار في القرآن ، والبرق : ما ظهر من علامات نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ودلائله . قوله تعالى : يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ ، أي يتصاممون عن سماع الحق حَذَرَ الْمَوْتِ أي لحذر الموت ، إنما نصب لنزع الخافض ، مثل قوله وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [ الأعراف : 155 ] أي من قومه ، فكذلك هاهنا حَذَرَ الْمَوْتِ ، أي لحذر الموت ومعناه : مخافة أن ينزل في القرآن شيء يظهر حالهم ، كما قال في آية أخرى نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا [ التوبة : 127 ] قال بعضهم : في الآية مضمر ، ومعناها يجعلون أصابعهم في آذانهم من الرعد ، ويغمضون أعينهم من الصواعق . وقال أهل اللغة : الصاعقة صوت ينزل من السماء فيه نار ، فمن قال بهذا القول لا يحتاج إلى الإضمار في الآية : يجعلون أصابعهم في آذانهم من خوف الصاعقة وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ أي عالم بأعمالهم . والإحاطة : هي إدراك الشيء بكماله . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 20 ] يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 ) قوله تعالى : يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ، أي ضوء البرق ، يذهب ويختلس بأبصارهم من شدة ضوء البرق فكذلك نور إيمان المنافق يكاد يغطي على الناس كفره في سره ، حتى لا يعلموا كفره . وقد قيل : معناه يكاد أن يظهر عليهم نور الإسلام ، فيثبتون على ذلك . ثم قال : كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، أي كلما لمع البرق في الليلة المظلمة مضوا فيه ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ ، أي إذا ذهب ضوء البرق قامُوا متحيرين فكذلك المنافق ، إذا تكلم بلا إله إلا اللّه ، يمضي مع المؤمنين ، ويمنع بها من السيف ، فإذا مات بقي متحيرا نادما . ويقال : معناه كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ [ البقرة : 20 ] أي كلما ظهر لهم دليل نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وظهر لهم علاماته مالوا إليه ، وإذا أظلم عليهم ، أي إذا أصاب المسلمين محنة ، كما أصابتهم يوم أحد ، وكما أصابتهم يوم بئر معونة قاموا ، أي ثبتوا على كفرهم . وروى أسباط ، عن السدي أنه قال : كان رجلان من المنافقين هربا من المدينة إلى