أبو الليث السمرقندي
308
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ سورة الفرقان : 68 ] إلى قوله يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ سورة الفرقان : 69 ] وقد دعونا مع اللّه إلها آخر ، وقتلنا النفس ، وزنينا ، فلو لا هذه الآيات لا تبعناك ، فنزل إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [ سورة مريم : 60 ] فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بهذه الآيات إلى وحشي وأصحابه ، فلما قرءوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد ، فنخاف ألا نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية . فنزل إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث إليهم فقرؤوها ، فبعثوا إليه فقالوا : إن في هذه الآية شرطا أيضا نخاف ألا نكون من أهل مشيئته ، فنزل قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ سورة الزمر : 53 ] فبعثها إليهم ، فلما قرءوها وجدوها أوسع مما كان قبلها ، فدخل هو وأصحابه في الإسلام . وروي عن ابن عمر أنه قال : كنا إذا مات الرجل منا على كبيرة ، شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فأمسكنا عن الشهادة . وهذه الآية رد على من يقول : إن من مات على كبيرة يخلد في النار ، لأن اللّه تعالى قد ذكر في آية أخرى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ سورة هود : 114 ] يعني ما دون الكبائر ، فلم يبق لهذه المشيئة موضع سوى الكبائر . ثم قال تعالى : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً يعني اختلق على اللّه كذبا عظيما . ويقال : فقد أذنب ذنبا عظيما . قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 49 إلى 55 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ( 49 ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ( 51 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ( 52 ) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ( 53 ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ يقول : يبرئون أنفسهم من الذنوب بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وذلك لأن رؤساء اليهود كانوا يقولون : هل على أولادنا من ذنب ؟ فما نحن إلا كهيئتهم . فهذا الذي زكوا به أنفسهم ، قال اللّه تعالى : بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ أي يصلح