أبو الليث السمرقندي
282
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الصغار أطعموهم وَاكْسُوهُمْ من أموالكم ، وكونوا أنتم القوام على أموالكم وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا طلبوا منكم النفقة ولم يكن عندكم في ذلك الوقت شيء ، فعدوا لهم عدة حسنة ، أي سأفعل ذلك . ثم قال : وَابْتَلُوا الْيَتامى يعني اختبروا اليتامى وجربوا عقولهم ، حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ يعني الحلم ويقال : مبلغ الرجال فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً يقول : إذا رأيتم منهم رشدا ، وصلاحا في دينهم ، وحفظا لأموالهم فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ التي معكم وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً في غير حق وَبِداراً يعني مبادرة في أكله أَنْ يَكْبَرُوا يعني مخافة أن يكبروا فيأخذوا أموالهم منكم . ثم قال : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ أي ليحفظ نفسه عن مال اليتيم وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ وقد اختلف الناس في تأويل هذه الآية ، وقالوا فيها ثلاثة أقوال . قال بعضهم : يجوز للمعسر أن يأكل على قدر قيامه عليه . وقال بعضهم : لا يجوز أن يأكل إلا على وجه القرض ، ويرد عليه إذا كبر . وقال بعضهم : لا يجوز في الأحوال كلها . فأما من قال إنه يجوز أكله على قدر قيامه فإنه احتج بما روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : إني أنزلت مال اللّه مني بمنزلة مال اليتيم - المراد منه بيت المال - فمن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنه أن رجلا سأله فقال : يا ابن عباس أتي إليّ بمواشي أيتام فهل عليّ جناح إن أصبت من رسل مواشيهم ؟ قال ابن عباس : إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حياضها ولا تفرط لها يوم وردها ، فلا جناح عليك إن أصبت من رسلها . وقال مجاهد : كان يقول من أدركت من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن للوصي أن يأكل بالمعروف مع اليتيم ، فإنه يحلب غنمه ويقوم على ماله ويحفظه ، وأما من قال إنه يجوز أكله على وجه القرض احتج بما روي عن محمد بن سيرين أنه قال : سألت عبيدة السلماني عن قوله تعالى وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ قال : هو قرض ثم يرد عليه إذا كبر . فقال : ألا ترى أنه قال في سياق الآية فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ؟ وقال أبو العالية : ما أكل فهو دين عليه . وقال الشعبي : مثله . وأما من قال إنه لا يجوز أكله ، فلأن اللّه تعالى قال إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ النساء : 10 ] وتلك الآية محكمة وهذه من المتشابهة ، لأنه يحتمل التأويل أنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة ، فيرد حكم المتشابه إلى المحكم . وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بتلك الآية . قال الفقيه رحمه اللّه : إذا كان الوصي فقيرا ، فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه ، أرجو أن لا بأس به ، لأن كثيرا من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل . قرأ نافع وابن عامر الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً بكسر القاف ونصب الياء بغير ألف ، والباقون بالألف ومعناهما قريب . وقال أهل اللغة : قياما وقواما وقيما بمعنى واحد . وقوله تعالى فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ يعني إذا أدرك اليتامى ودفعتم إليهم أموالهم فَأَشْهِدُوا