أبو الليث السمرقندي

27

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الخلق على مراتب ثلاث ، ميت في الأحوال كلها كالكافر ، وحي في الأحوال كلها كالمؤمن لقوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] ، ومريض كالمنافق . ثم قال تعالى : فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وهذا اللفظ يحتمل معنين : يحتمل الخبر عن الماضي ، ويحتمل الدعاء ؛ فإن كان المراد به الخبر فمعناه : في قلوبهم مرض فزادهم اللّه مرضا إلى مرضهم ، كما قال في آية أخرى فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] ، لأن كل سورة نزلت يشكون فيها ، فكان ذلك المرض لهم ، وللمؤمنين زيادة اليقين . وإن كان المراد به الدعاء ، فمعناه : فزادهم اللّه مرضا على مرضهم ، على وجه الذم والطرد لهم ، كما قال في آية أخرى قاتَلَهُمُ اللَّهُ * [ التوبة : 30 ] أو لعنهم اللّه ، فإن قيل : كيف يجوز أن يحمل على وجه الدعاء ، وإنما يحتاج إلى الدعاء عند العجز ؟ قيل له : هذا تعليم من اللّه تعالى أنه يجوز الدعاء على المنافقين والطرد لهم ، لأنهم شر خلق اللّه تعالى ، لأنه وعد لهم يوم القيامة الدرك الأسفل من النار . ثم قال : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني مؤلم ، أي عذاب وجيع الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم . قوله : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي مجازاة لهم بتكذيبهم . قرأ حمزة وابن عامر فَزادَهُمُ اللَّهُ بكسر الزاي ، وهي لغة بعض العرب ، وقرأ عاصم وأبو عمرو بالفتح ، وهي اللغة الظاهرة ، وقرأ أهل الكوفة عاصم وحمزة والكسائي يَكْذِبُونَ بتخفيف الذال ، وقرأ الباقون بالتشديد . فمن قرأ بالتخفيف فمعناه : بما كانوا يكذبون بقولهم أنهم مؤمنون ، وجحدوا في السر لأنهم كفروا باللّه وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم في السر . ومن قرأ بالتشديد فمعناه : بما كانوا يكذبون ، يعني ينسبون محمدا إلى الكذب ، ويجحدون نبوته . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 11 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ، قرأ الكسائي برفع القاف وكذلك كل ما ذكر في القرآن مثل : قيل وحيل وسيق ، وقرأ حمزة وعاصم وغيرهما بكسر القاف . وأصله في اللغة قول مع الواو ، فحذفت الواو للتخفيف ، فجعل الكسائي الرفع مكان الواو وغيره ، وقرأ بالكسر للتخفيف . والآية نزلت في شأن المنافقين وَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني المنافقين لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي : لا تعملوا فيها بالمعاصي وهو الفساد لأن الأرض كانت قبل أن يبعث النبي - عليه السلام - فيها الفساد ، وكان يعمل فيها بالمعاصي ، فلما بعث اللّه النبي - عليه السلام - ارتفع الفساد وصلحت الأرض ؛ فإذا عملوا بالمعاصي فقد أفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ، كما قال في آية أخرى وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها * [ الأعراف : 56 و 85 ] .