أبو الليث السمرقندي
269
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي بما أعطاهم اللّه من المال ، يبخلون ويمنعون الزكاة والصدقة وصلة الأرحام ، فلا يظنوا أن ذلك هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ يعني : أن البخل شر لهم . ويقال : الفضل شر لهم سَيُطَوَّقُونَ يقول سيوثقون ما بَخِلُوا بِهِ من الزكاة كهيئة الطوق . وروي عن ابن عباس أنه قال : يأتي كنز أحدهم ، شجاع أقرع له زبيبتان طوقا في عنقه ، يلدغ خديه ويقول : أنا الزكاة التي بخلت بي في الدنيا وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نحو هذا فذلك قوله تعالى : سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ويقال : هو طوق من نار في عنقه . ويقال : هو على وجه المثل ، يعني وبال ذلك في عنقهم كما قال في آية أخرى : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ [ الإسراء : 13 ] . قوله تعالى : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني إذا هلك الخلق كلهم أهل السماوات من الملائكة ، وأهل الأرض من الإنس والجن وسائر الخلق ، ويبقى رب العالمين ثم يقول : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [ غافر : 16 ] . فلا يجيب أحد فيرد على نفسه فيقول : لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ يوسف : 39 وغيرها ] فذلك قوله تعالى : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني يهلك أهل السماوات والأرض ولم يبق لأحد ملك . وإنما سمي ميراثا على وجه المجاز ، لأن القرآن بلغة العرب ، وكانوا يعرفون أن من رجع الملك إليه يكون ميراثا على وجه المجاز ، وأما في الحقيقة فليس بميراث ، لأن الوارث في الحقيقة هو الذي يرث شيئا لم يكن يملكه من قبل ، واللّه عز وجل مالكهما ، وكانت السماوات وما فيها والأرض وما فيها له ، وإنما كانت الأموال عارية عند أربابها ، فإذا ماتوا رجعت العارية إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل . ومعنى الآية أن اللّه تعالى أمر عباده أن ينفقوا ولا يبخلوا ، قبل أن يموتوا ويتركوا المال ميراث اللّه للّه تعالى ، ولا ينفعهم إلا ما أنفقوا . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ أي عالم بمن يؤدي الزكاة وبمن يمنعها ، فيجازي كل نفس بما عملت . قرأ ابن كثير وأبو عمرو بما يعملون بالياء ، والباقون بالتاء على وجه المخاطبة لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ . وقال في رواية الضحاك : لما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً * [ البقرة : 245 والحديد : 11 ] قالت الفجرة من كفرة اليهود : أفقير ربنا فيستقرضنا ؟ قالوا ذلك على وجه الاستهزاء ، فنزلت هذه الآية . ويقال إن النبي صلى اللّه عليه وسلم بعث أبا بكر إلى اليهود ليأمرهم بالإسلام ، وأن يعطوا الصدقة ويؤمنوا ، فلما انتهى إليهم أبو بكر قال فنحاص بن عازورا : أيسأل اللّه منا