أبو الليث السمرقندي
265
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
كرامات ، لم يكرم بها أحد من الأنبياء ولا أنا ، إحداها : أن جميع الأنبياء قبض أرواحهم ملك الموت وهو الذي سيقبض روحي ، وأما الشهداء فاللّه تعالى هو الذي يقبض أرواحهم بقدرته كيف يشاء ، ولا يسلط على أرواحهم ملك الموت . والثانية : أن جميع الأنبياء قد غسّلوا بعد الموت ، وأنا أغسّل بعد الموت ، وأما الشهداء فلا يغسلون ولا حاجة لهم إلى ماء الدنيا . والثالثة : أن جميع الأنبياء قد كفنوا وأنا أكفن أيضا ، والشهداء لا يكفنون بل يدفنون في ثيابهم . والرابعة : أن جميع الأنبياء لما ماتوا فقد سمّوا أمواتا ، وإذا مت أنا يقال : قد مات ؛ والشهداء لا يسمون موتى . والخامسة : أن الأنبياء تعطى لهم الشفاعة يوم القيامة ، وشفاعتي أيضا يوم القيامة ، وأما الشهداء فيشفع لهم في كل يوم فيمن يستشفعون . ثم قال تعالى : وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ قرأ الكسائي : وإنّ بكسر الألف ، والباقون بالنصب . فمن قرأ بالنصب فمعناه يستبشرون بنعمة من اللّه ، ويستبشرون بأن اللّه لا يضيع ثواب المؤمنين الموحدين . ومن قرأ بالكسر على معنى الابتداء : إن اللّه لا يبطل ثواب عمل الموحدين ، وهذا الخبر للترغيب في الجهاد . وأما الشهداء والأولياء ، فيشفع لهم لا يبلغون إلى درجة الأنبياء . ومن قال : إنهم يبلغون إلى درجة الإباحة ، ومن أنكر كرامات الأولياء فهو معتزلي . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 172 إلى 175 ] الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 ) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( 173 ) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ( 174 ) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 175 ) قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ قال في رواية الكلبي : وذلك أن أبا سفيان حين رجع من أحد ، نادى فقال : يا محمد ، إن الموعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى . فقال صلى اللّه عليه وسلم لعمر : « قل له ذلك بيننا وبينك إن شاء اللّه تعالى » . ثم ندم أبو سفيان ، فقال لنعيم بن مسعود - وكان يخرج إلى المدينة للتجارة - : إذا أتيت المدينة ، فخوّفهم لكيلا يخرجوا . فلما قدم نعيم المدينة قال : إن أبا سفيان قد جمع خلقا كثيرة ، فكره أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخروج إليهم وتثاقلوا ، فلما رأى ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم قال : « والّذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وإن لم يخرج معي منكم أحد » قال : فمضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للميعاد ، ومعه نحوا من