أبو الليث السمرقندي

246

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ في الربا فلا تستحلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تنجوا من العذاب . ثم خوّفهم فقال : وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ يعني خلقت وهيئت للكافرين . وقالت المعتزلة : من أتى بالكبيرة ومات عليها فإنه يخلد في النار كالكافر ، فإنه وعد لأكل الربا النار كما وعد الكفار . وقال أكثر أهل العلم والتفسير : هذا الوعيد لمن استحل الربا ؛ ومن استحل الربا فإنه يكفر ويصير إلى النار . ويقال : معناه اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبوا النار ، لأن من الذنوب ما يستوجب به نزع الإيمان ويخاف عليه ، فمن ذلك عقوق الوالدين . وقد جاء في ذلك أثر أن رجلا كان عاقا لوالدته يقال له علقمة ، فقيل له عند الموت : قل لا إله إلا اللّه فلم يقدر على ذلك ، حتى جاءت أمه فرضيت منه . ومن ذلك قطيعة الرحم ، وأكل الربا ، والخيانة في الأمانة . وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال : أكبر ما في الذنوب الذي ينزع الإيمان من العبد عند الموت . ثم قال أبو بكر : فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان من العبد ، فلم نجد شيئا أسرع نزعا للإيمان من ظلم العباد . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 132 إلى 133 ] وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( 133 ) ثم قال تعالى : وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ يعني أطيعوا اللّه في الفرائض ، والرسول في السنن . ويقال : وَأَطِيعُوا اللَّهَ في تحريم الربا ، وَالرَّسُولَ فيما بلغكم من التحريم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ولا تعذّبون وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قرأ نافع ومن تابعه من أهل المدينة ، وابن عامر ومن تابعه من أهل الشام : سارعوا بغير الواو على معنى الابتداء . وقرأ الباقون بالواو على معنى العطف . قال الكلبي : معناه وسارعوا إلى التوبة من الربا . وقال مقاتل : وسارعوا بالأعمال الصالحة التي هي مغفرة لذنوبكم وإلى الجنة . وقال الضحاك : يعني سارعوا إلى النجاء الأكبر إلى الصف المقدم في الصلاة ، وإلى الصف المقدم في القتال . ويقال : وسارعوا حتى لا تفوتكم تكبيرة الافتتاح . ثم قال تعالى : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ قال القتبي : أي سعتها ، ولم يرد به العرض الذي هو خلاف الطول . والعرب تقول : بلاد عريضة أي واسعة . ويقال : عرض الجنة كعرض سبع سماوات ، وكعرض سبع أرضين ، لو ألزق بعضها إلى بعض . وإنما ذكر العرض ولم يذكر الطول ، لأن طولها لا يعرف ولا يدرك . وقال الكلبي : الجنان أربع : جنة عدن وهي الدرجة العليا ، وجنة المأوى ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم . كل جنة منها كعرض السماوات والأرض لو وصل بعضها إلى بعض . ويقال : لم يرد بهذا التقدير ، ولكنه أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه . وقال السدي : لو كسرت السماوات وصرن خردلا ، فبكل خردلة للّه جنة عرضها كعرض السماوات والأرض .