أبو الليث السمرقندي
243
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ يعني خرجت من منزلك بالصباح . ويقال : من عند أهلك ، وهي عائشة رضي اللّه عنه تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ يعني تهيء للمؤمنين مَقاعِدَ لِلْقِتالِ يعني مواضع للحرب . قال الكلبي : هو يوم أحد . وقال مقاتل : هو يوم الخندق وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك عَلِيمٌ بأمر الكفار إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ يعني أرادت وأضمرت طائفتان من المسلمين . وهما : حيا بني حارثة ، وبني سلمة من الأنصار أَنْ تَفْشَلا يعني أن تجبنا عن القتال مع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وترجعا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي ناصرهما وحافظهما حيث لم يرجعا ، لأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم خرج من المدينة يوم أحد ، ومعه ألف رجل ، فرجع عبد اللّه بن أبي ابن سلول مع ثلاثمائة من المنافقين ، ومن تابعهم ، فدخل الفشل في قبيلتين من الأنصار ، وهم المؤمنون ، فأرادوا أن يرجعوا ، فحفظ اللّه تعالى قلوبهم ، فلم يرجعوا ، فذلك قوله تعالى : وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي حافظ قلوبهما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على اللّه وهذه كلها منن ذكرها اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ليعرف ويشكر اللّه تعالى ، ويصبر على ما يصيبه من الأذى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 123 إلى 125 ] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 123 ) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 ) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) ثم ذكّرهم أمر بدر ؛ فقال تعالى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ أي أعانكم اللّه ببدر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ يعني قليلة ، فَاتَّقُوا اللَّهَ يعني : اعرفوا هذه النعمة ، واتقوا اللّه ولا تعصوه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي لكي تشكروا اللّه . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ يعني يوم أحد أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ من السماء . يقول اللّه تعالى : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا مع نبيّكم ، وَتَتَّقُوا معصيته بالهزيمة وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يعني العدو ، يأتوكم من وجوههم يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل ، وفي أذنابها عليهم البياض ، قد أرخوا أطراف العمائم بين أكتفهم ؛ فأنزل اللّه تعالى عليهم يوم بدر ثلاثة آلاف ، ووعد لهم يوم أحد خمسة آلاف . ولكنهم لما عصوا وتركوا أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رجعوا عنهم ، ولو أنهم صبروا لنزلت عليهم . قرأ عاصم ، وابن كثير ، وأبو عمرو : مُسَوِّمِينَ بكسر الواو ؛ والباقون بالنصب ومعناهم قريب . وهو : إرخاء أطراف العمائم بين الأكتاف ؛ وهذا كما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال يوم بدر : « تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت » .