أبو الليث السمرقندي
172
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
مرّ على قرية هو عزير بن شرخيا ، وكان من علماء بني إسرائيل ، فمرّ بدير هرقل بين واسط والمدائن على حمار فمرّ بها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها . وقال الضحاك بن مزاحم : هو عزير النبي - عليه السلام - مرّ ببيت المقدس ، وقد خربها بخت نصر ، وقتل منهم سبعين ألفا ، وأسر منهم سبعين ألفا ، أي من بني إسرائيل فمرّ عزير فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها . وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : إن بخت نصر غزا بني إسرائيل ، فسبى منهم ناسا كثيرة ، فجاء بهم وفيهم عزير بن شرخيا ؛ وكان من علماء بني إسرائيل ، فجاء بهم إلى بابل . فخرج ذات يوم لحاجة له إلى دير هرقل على شاطئ دجلة ، فنزل تحت ظل شجرة وهو على حمار له ، فربط حماره تحت ظل شجرة ، ثم طاف بالقرية فلم ير بها ساكنا وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ، يقول : ساقطة على سقوفها ، وذلك أن السقف يقع قبل الحيطان ثم الحيطان على السقف ، فهي خاوية على عروشها . قال بعض أهل اللغة : الخاوية ، الخالية . وقال بعضهم : بقيت حيطانها لا سقوف عليها . وقال الزجاج : عروشها هي الخيام وهي بيوت الأعراب . فتناول من الفاكهة والتين والعنب ، ثم رجع إلى حماره فجلس يأكل من تلك الفاكهة ، ثم عصر من العنب فشربه ، ثم جعل فضل التين والعنب في سلة ، وفضل العصير في الزق ؛ ثم نظر إلى القرى فتعجب من كثرة ثمرها وفناء أهلها ف قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فلم يشك في البعث ، ولكن أحب أن يريه اللّه كيف يحيي الموتى . فلما تكلم عزير بذلك ، نام في ذلك الموضع . فَأَماتَهُ اللَّهُ في منامه مِائَةَ عامٍ ، وأمات حماره ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللّه تعالى في آخر النهار ، ومنعه اللّه تعالى - في حال موته - عن أبصار الناس والسباع والطير . فلما بعثه اللّه تعالى ، سمع صوتا قالَ له : كَمْ لَبِثْتَ ، أي كم مكثت في نومك يا عزير ؟ قالَ : لَبِثْتُ يَوْماً ؛ ثم نظر إلى الشمس ، وقد بقي منها شيء لم تغرب فقال : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ . قالَ له : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ ، يعني كنت ميتا مائة عام ، ثم أخبره ليعتبر . فقال : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ ، يعني الفاكهة ؛ وَشَرابِكَ ، يعني العصير . لَمْ يَتَسَنَّهْ ، يعني لم يتغير ، كقوله : مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [ محمد : 15 ] ، أي غير متغير . ويقال : لم يتسنّه ، كأنه لم تأت عليه السنون . قرأ حمزة وابن عامر وأبو عمرو : كَمْ لَبِثْتَ بإدغام الثاء والتاء . وقرأ الباقون بإظهارها . وقرأ الكسائي : لم يتسنّ بغير هاء عند الوصل وأثبتت عند القطع . وقرأ حمزة : بحذف الهاء عند الوصل والقطع جميعا . وقرأ الباقون بإثبات الهاء عند الوصل والقطع . وقرأ نافع : أَنَا أُحْيِي بمد الألف ، وكذلك في جميع القرآن نحو هذا ، إلا في قوله : إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ * [ الأعراف : 188 ] وقرأ الباقون بغير مد ؛ ومعنى القراءتين في هذا كله واحد .