أبو الليث السمرقندي

165

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

جربت نفسك في غير هذا ؟ قال : نعم دخل أسد في غنمي فضربته ، ثم أخذت بلحييه فشققتها ، فقال له : هذا أشد ، ثم قال له ما اسمك ؟ قال : داود بن إيشا . فعرفه . فرأى أنه أجلد إخوته ، فأخذ قذافته وخرج . فلما رآه جالوت قال : خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب ؟ فقال له داود : وهل أنت إلا مثل الكلاب ؟ قال الكلبي : وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل ، فقال له جالوت : إما أن ترميني وإما أن أرميك . فقال له داود : بل أنا أرميك . ثم أخذ واحدا من الأحجار الثلاثة فرماه ، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقا كثيرا . وقال بعضهم : صارت الأحجار كلها واحدا ؛ فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقا كثيرا . وقال بعضهم : رمى واحدا بعد واحد ، فقتل جالوت وخلقا كثيرا وهزمهم اللّه بإذنه ، فذلك قوله عز وجل : فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ . ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه ، فقال له وزراؤه : إن دفعت إليه نصف ملكك ، فيصير منازعا لك في ملكك ، ويفسد عليك الملك . فامتنع من ذلك وأراد قتل داود - عليه السلام - وكان في ذلك ما شاء اللّه حتى دفع إليه النصف ، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك ، فتحول الملك كله إلى داود . ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود . فذلك قوله عز وجل : وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ، يعني ملك اثني عشر سبطا وَالْحِكْمَةَ ، يعني النبوة ، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة ؛ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب . وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين - عليهم السلام - ويدفع بالمؤمنين عن الكفار ، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ، أي هلك أهلها . ويقال : ولولا دفع اللّه جالوت بطالوت ، لهلكت بنو إسرائيل كلهم . ويقال : ولولا دفع اللّه البلايا بسبب المطيعين ، لهلك الناس كما جاء في الأثر : لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع ، لصببت عليكم العذاب صبا . وروي عن الحسن أنه قال : لولا الصالحون لهلك الطالحون . ويقال : لولا ما أمر اللّه المؤمنين بحرب الكفار ، لفسدت الأرض بغلبة الكفار . ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض ، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان ، فينتفع بها أهل سائر البلدان ؛ وينتفع بعضهم ببعض ، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض . قرأ نافع هاهنا ولولا دفاع اللّه وفي الحج : إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف ، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [ الحج : 38 ] بالألف . وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان . ثم قال تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم .