أبو الليث السمرقندي

144

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ . قال بعض المفسرين : إن اللّه لم يدع شيئا من الكرامة والبر ، إلا وقد أعطى هذه الأمة . ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب لهم الشرائع دفعة واحدة ، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة ؛ فكذلك في تحريم الخمر ، كانوا مولعين على شربها ، فنزلت هذه الآية يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ، أي عن شرب الخمر والميسر هو القمار . قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ في تجارتهم . وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما . فلما نزلت هذه الآية تركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير ، ولم يتركها بعض الناس وقالوا : نأخذ منفعتها ونترك إثمها . ثم نزلت هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [ النساء : 43 ] ، فتركها بعض الناس وقالوا : لا حاجة لنا فيما يمنعنا عن الصلاة ، وشربها بعض الناس في غير أوقات الصلاة ، حتى نزل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ المائدة : 90 ] الآية . فصارت حراما عليهم حتى كان بعضهم يقول : ما حرم علينا شيء أشد من الخمر . وقيل : إثم كبير في أخذها ومنافع في تركها . وروي أن الأعشى توجه إلى المدينة ليسلم ، فلقيه بعض المشركين في الطريق فقالوا له : أين تذهب ؟ فأخبرهم أنه يريد محمدا صلى اللّه عليه وسلم . فقالوا : لا تصل إليه فإنه يأمرك بالصلاة . فقال : إن خدمة الرب واجبة . فقالوا له : إنه يأمرك بإعطاء المال إلى الفقراء . فقال : إن اصطناع المعروف واجب . فقيل له إنه ينهى عن الزنى . فقال : إن الزنى فحش قبيح في العقل وقد صرت شيخا ، فلا أحتاج إليه . فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر . قال : أما هذا فإني لا أصبر عنه فرجع . وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يبلغ إلى منزله ، حتى سقط عن البعير فانكسر عنقه فمات . وقال بعضهم : في هذه الآية ما يدل على تحريمه ، لأنه سماها إثما ، وقد حرم الإثم في آية أخرى وهي قوله تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ [ الأعراف : 33 ] . وقال بعضهم : أراد بالإثم ، الخمر بدليل قول الشاعر : شربت الإثم حتّى ضلّ عقلي * كذاك الإثم يذهب بالعقول وروي عن جعفر الطيار أنه كان لا يشرب الخمر في الجاهلية ، وكان يقول : الناس يطلبون زيادة العقل ، فأنا لا أنقص عقلي . وأما الميسر ، فكانوا يشترون جزورا ويضربون سهامهم ، فمن خرج سهمه أولا ، يأخذ نصيبه من اللحم ولا يكون عليه من الثمن شيء ، ومن بقي سهمه آخرا ، فكان عليه ثمن الجزور كله وليس له من اللحم شيئا . وقال عطاء ومجاهد :