أبو الليث السمرقندي
139
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ . قال مقاتل : معناه سل علماء بني إسرائيل كما أعطيناهم . مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ حين فرق لهم البحر وأغرق عدوهم وأنزل عليهم المن والسلوى . ويقال : كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ، يعني نعت محمد صلى اللّه عليه وسلم . ثم قال : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ ، أي يغيّر نعمة اللّه تعالى . مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ، يعني يقول إذا لم يشكر نعمة اللّه ، تزول عنهم النعم ويستوجبوا العقوبة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) قوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ، قال الكلبي : نزلت في شأن رؤساء قريش ، زين لهم ما بسط لهم في الدنيا من الخير . وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في أمر المعيشة ، لأنهم كانوا فقراء . وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ، أي أطاعوا اللّه وهم فقراء المؤمنين . فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، أي فوق المشركين في الجنة والحجة في الدنيا . وقد اختلفوا في قوله : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا . قال بعضهم : يعني زينها لهم إبليس ، لأن اللّه تعالى قد زهد فيها وأعلم أنها متاع الغرور ، ولكن الشيطان زيّن لهم الأشياء ، كما قال في آية أخرى : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ * [ النمل : 24 ] وقال في آية أخرى : زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [ النمل : 4 ] ، فكان ذلك مجازاة لكفرهم . وقال بعضهم : معناه أن اللّه تعالى زين لهم ، لأنه خلق فيهم الأشياء العجيبة ، فنظر إليها الذين كفروا فاغتروا بها . وروي ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يقول اللّه تعالى لملائكته : لولا أن يحزن عبدي المؤمن ، لعصبت الكافر بعصابة من ذهب ولصببت عليه الدّنيا صبا » . ومصداق ذلك في القرآن وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [ الزخرف : 33 ] الآية . وقال عليه الصلاة والسلام : « لو كانت الدّنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء » . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ، أي يرزق من يشاء رزقا كثيرا لا يعرف حسابه . ويقال : أي يرزقه ولا يطلب منه حسابه بما يرزقه . ويقال : بغير حساب أي ليس له أحد يحاسبه منه بما يرزقه ويقال : بغير حساب أي بغير احتساب . كما قال في آية أخرى وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 3 ] . وكل ما في القرآن : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ، فهو على هذه الوجوه الأربعة .