أبو الليث السمرقندي
131
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ، أي حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم . وقال القتبي : الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو . وقال الفراء : الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره . وقال بعضهم : لا يكون الإحصار إلا من العدو . وقال بعضهم : يكون من العدو وغيره ، وبه قال علماؤنا رحمهم اللّه . ثم قال : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي ، واللّه تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي ، فينزع عنه بمكة ، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه ، ويرجع إلى أهله ، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك . ثم قال تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي ، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه . يقول : لا يحلق رأسه ، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه ، ويعلم أن هديه قد ذبح . ثم صار هذا أصلا لجميع الحجاج من كان قارنا أو متمتعا ، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصرا . ثم قال تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] يعني إذا كان أفطر . وروي عن كعب بن عجرة أنه قال : فيّ نزلت هذه الآية . وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مر بي والقمل يتناثر على وجهي ، فقال : « أيؤذيك هوامّ رأسك ؟ » فقلت : نعم . فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال : « احلق رأسك ، وأطعم ستّة مساكين ، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة ، أو صم ثلاثة أيّام أو أنسك نسيكة » يعني اذبح شاة ، فنزلت هذه الآية : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله . ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها : بتشديد الياء . وواحدها هدية . وقرأ الباقون : بالتخفيف يقال للواحدة : هدي وهدية . ثم قال : فَإِذا أَمِنْتُمْ وهذا على سبيل الاختصار والإضمار . ومعناه فإذا أمنتم من العدو ، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة . ويقال : إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض ، فحجوا واعتمروا . فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي ؛ وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج . والمحرمون أربعة : مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمتع والقارن ، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج ، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعد ما فرغ من عمرته ، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعا . فمن كان مفردا بالحج أو بالعمرة ، فلا يجب عليه الهدي ؛ ومن كان متمتعا أو قارنا ، فعليه الهدي . وقال عبد اللّه بن عمر أنه قال : الهدي : الجزور . وقال ابن عباس : أقله شاة ؛ وبه قال علماؤنا .