أبو الليث السمرقندي

117

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم ذكر في هذه الآية خمسة أشياء من الإيمان ، فمن لم يقر بواحدة منها فقد كفر . أحدها : الإيمان باللّه تعالى أنه واحد لا شريك له والتصديق باليوم الآخر وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال وأنه كائن ، وأن أهل الثواب يصلون إلى الثواب وأهل العقاب يصلون إلى العقاب والتصديق بالكتاب أنه منزل من اللّه تعالى القرآن وسائر الكتب : التوراة والإنجيل والزبور ، ويقر بالملائكة أنهم عبيده ويقر بالنبيين أنهم رسله وأنبياؤه فهذه الخمس من الإيمان فمن جحد واحدة منها فقد كفر . ثم ذكر الفضائل فقال تعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ، يعني يعطي المال على شهوته وجوعه وهو شحيح يخشى الفقر ، ويأمل العيش . ويقال : على حبه الإعطاء بطيبة من نفسه ، يعطي ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ، يعني الضيف النازل وَالسَّائِلِينَ الذين يسألون الناس وَفِي الرِّقابِ ، يعني المكاتبين . وقد قيل : ( ابن السبيل ) هو المنقطع من ماله . ثم ذكر الفرائض فقال تعالى : وَأَقامَ الصَّلاةَ المكتوبة ، وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة . وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما عاهدوا فيما بينهم وبين اللّه تعالى وفيما بينهم وبين الناس . وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ . أي بالبأساء وهي شدة الفقر ؛ البأس قال القتبي : يعني الفقر وهو من البؤس والضراء المرض والزمانة . وَحِينَ الْبَأْسِ ، يعني يصبرون عند الحرب . وقال القتبي : البأس : الشدة ومنه يقال : لا بأس عليك يعني لا شدة عليك ، فلهذا سمي الحرب البأس ، لأن فيه شدة . ثم قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني صدقوا في إيمانهم ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ عن نقض العهد . فإن قيل : أيش معنى قوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وموضعه موضع رفع ولم يقل : والصابرون ؟ قيل له : قد قال بعض من تعسف في كلامه : إن هذا غلط الكاتب حين كتبوا مصحف الإمام ؛ والدليل على ذلك ما روي عن عثمان بن عفان - رضي اللّه عنه - أنه نظر في المصحف وقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها وهكذا قال في سورة النساء : وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [ النساء : 162 ] وفي سورة المائدة وَالصَّابِئُونَ . لكن الجواب عند أهل العلم أن يقال : إنما صار نصبا للمدح والكلام يصير نصبا للمدح أو للذم . ألا ترى إلى قول القائل : نحن بني ضبّة أصحاب الجمل وإنما جعله نصبا للمدح . وروي عن قتادة أنه قال : ذكر لنا أن رجلا سأل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن البر فنزلت هذه الآية : لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ الآية . وقال الضحاك أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا يعني صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم بأعمالهم . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ، يعني المطيعون للّه تعالى . ثم قال تعالى :