أبو الليث السمرقندي
106
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، يعني يقولون : نحن عبيد اللّه وفي ملكه إن عشنا فعليه أرزاقنا ، وإن متنا فإليه مردنا وإليه راجعون بعد الموت ، ونحن راضون بحكمه . أُولئِكَ ، يعني أهل هذه الصفة عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ . والصلاة من اللّه تعالى على ثلاثة أشياء : توفيق الطاعة والعصمة عن المعصية ومغفرة الذنوب جميعا ، فبالصلاة الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة ، فقد وعد لهم الصلوات الكثيرة ، ومقدار ذلك لا يعلمه إلا اللّه . ثم قال : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ، أي الموفقون للاسترجاع . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة ، ألا ترى أن يعقوب - عليه السلام - قال : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 84 ] فلو كان له الاسترجاع ، لقال ذلك ؛ وروي عن عثمان بن عطاء ، عن أبيه أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من ذكر مصيبة أو ذكرت عنده فاسترجع ، جدّد اللّه ثوابه كيوم أصيب بها » . وعن عطاء بن أبي رباح قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أصابته مصيبة فليتذكر مصيبته في ، فإنّها من أعظم المصائب » . وروي هذان الحديثان ، عن علي بن أبي طالب ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيضا . وروي عن عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - أنه قال : نعم العدلان ونعم العلاوة ؛ فالعدلان قوله تعالى : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ، والعلاوة قوله تعالى : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، قال أهل اللغة : الصفا الحجارة الصلبة التي لا تنبت بها شيء . والواحدة : صفاة . يقال : حصى وحصاة . والمروة : الحجارة اللينة . والشعائر : علامة متعبداته . واحدها شعيرة . يعني أن الطواف بالصفا والمروة من أمور المناسك ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما . روي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما . وروي عن ابن عباس ، وأنس بن مالك أنهما كانا يقرآن كذلك . ومعنى ذلك ، أن من حج البيت أو اعتمر فترك السعي ، لا يفسد حجه ولا عمرته ، ولكن يجب عليه جبر النقصان وهو إراقة الدم ، وفي مصحف الإمام فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما بحذف كلمة ( لا ) . وذلك أن أهل الجاهلية كان لهم صنمان على الصفا والمروة : أحدهما يقال له ( اساف ) والآخر ( نائلة ) ، وكان المشركون يطوفون بين الصفا والمروة ويستلمون الصنمين . فلما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم بعمرة القضاء ، كان الأنصار لا يسعون فيما بين الصفا والمروة ويقولون : السعي فيما بينهما من أمر المشركين فنزلت هذه الآية . ويقال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما فتح مكة ، طاف بالبيت والمسلمون معه ، فلما سعى بين الصفا والمروة ، رفع المسلمون