أبو الليث السمرقندي
104
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا منكم . ويقال : وصل بما بعده ، ومعناه : كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ . وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فاعرفوا هذه النعمة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 152 ] فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ ( 152 ) فَاذْكُرُونِي بالتوحيد أَذْكُرْكُمْ يقول : اذكروني بالطاعة أذكركم بالمغفرة ، فحق على اللّه أن يذكر من ذكره ، فمن ذكره في طاعته ، ذكره اللّه تعالى بخير ومن ذكر اللّه من أهل المعصية في معصية ذكره اللّه باللعنة وسوء الدار . ويقال : اذكروني في الرخاء ، أذكركم عند البلاء . ويقال : اذكروني في الضيق أذكركم بالمخرج . ويقال : اذكروني في الخلاء ، أذكركم في الملأ . ويقال : اذكروني في ملأ من الناس ، أذكركم في ملأ من الملائكة . قال الفقيه : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا إبراهيم بن يوسف قال : حدثنا محمد بن الفضيل الضبي ، عن الحصين ، عن مجاهد ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : ما اجتمع قوم يذكرون اللّه تعالى ، إلا ذكرهم اللّه في ملأ أعز منهم وأكرم ، وما تفرق قوم من مجلس لا يذكرون اللّه في مجلسهم ، إلا كانت حسرة عليهم يوم القيامة . ويقال : اذكروني بالشكر ، أذكركم بالزيادة . ويقال : اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة ويقال : اذكروني في الدنيا بالإخلاص أذكركم في الآخرة بالخلاص . ثم قال تعالى : وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ يعني اشكروا نعمتي التي أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ، ولا تجحدوا هذه النعمة . ويقال : النعمة في الحقيقة هي العلم وما سوى ذلك ، فهو تحويل من راحة إلى راحة وليس الطّعام بنعمة ، لأن الطعام إذا أكله الإنسان فبعد ساعة يطلب منه الفرج ، والثوب الحسن ربما يمل منه إذا كان يؤذيه الحر أو البرد ؛ والعلم لا يمل منه صاحبه ، بل ربما يطلب له الزيادة . فأمر اللّه تعالى بشكر هذه النعمة التي بعث رسولا ليعلمهم الكتاب والحكمة ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 153 إلى 154 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) ثم قال عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، يعني صدقوا بتوحيد اللّه تعالى . وهذا نداء المدح ، وقد ذكرنا قبل هذا أن النداء على ست مراتب . وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : إذا سمعت اللّه يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فارع له بسمعك فإنه أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه .