الذهبي

359

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

قال : ولمّا قدم الملك الكامل إلى دمشق طلب من أخيه الأشرف أن يحضر له الشّيخ ليراه ، فأحضره من بعلبكّ . فلمّا رآه عظم في عينه ، وأرسل إليه مالا فلم يقبله . ولمّا ملك الصّالح نجم الدّين البلاد قالوا له عنه إنّه يميل إلى عمّه الصّالح إسماعيل ، فبقي في نفسه منه ، فلمّا اجتمع به بالغ في إكرامه ، ولم يشتغل عنه بغيره ، فلمّا فارقه بالغ في الثّناء عليه ، فقيل له : إلّا أنّه يحبّ عمّك الصّالح . فقال : حاشى ذاك الوجه المليح . وقدم في أواخر عمره دمشق سنة خمس وخمسين ، فخرج الملك النّاصر إلى زيارته بزاوية القرشيّ ، وتأدّب معه ، وعظّمه ، واستعرض حوائجه . وكان يكره الاجتماع بالملوك ولا يؤثره ، ولا يقبل إلّا هدية من مأكول ونحوه . قلت : وقد خدمه مدّة شيخنا عليّ بن أحمد بن عبد الدّائم ، فقال : كان للشّيخ الفقيه أوراد ، لو جاء ملك من الملوك ما أخّرها عن وقتها . وكنت أخدمه ، فورد الشّيخ عثمان شيخ دير ناعس ، فجلس ينتظر الشّيخ ، فقال : أشتهي أن يكشف الشّيخ الفقيه عن صدره فأعانقه ، ويعطيني ثوبه . فلمّا جاء الشّيخ وأكلوا ، قال : قم يا شيخ عثمان . فكشف عن صدره وعانقه ، وأعطاه ثوبه ، وقال : كلّما تقطّع ثوب أعطيتك غيره . وكان ما يرى إظهار الكرامات ، وكان يقول : كما أوجب اللَّه على الأنبياء عليهم السّلام إظهار المعجزات ، أوجب على الأولياء إخفاء الكرامات . قال : وذكروا مرّة عنده الكرامات فقال : والكم أيش الكرامات . كنت عند الشّيخ عبد اللَّه وأنا صغير ، وكان عنده بغاددة يعملون مجاهدات ، فكنت أرى من يخرج من باب دمشق ، وأرى الدّنيا أمامي مثل الوردة فكنت أقول للشّيخ : يا سيّدي يجيء إلى عندك من دمشق أناس ومعهم كذا وكذا ، وأناس من حمص ومن مصر ، فإذا جاء ما أقول يقولون : يا سيّدي ، نحن نعمل مجاهدات وما نرى ، وهذا يرى . فيقول : هذا ما هو بالمجاهدات ، هذا موهبة من اللَّه .