الذهبي
323
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ذكره الشّيخ قطب الدّين فقال : كان ملكا جليل القدر ، عالي الهمّة ، عظيم السّطوة والسّياسة ، قاهرا لأمرائه . قتل وشنق وقطع ما لا نهاية له حتّى هذّب البلاد . ومع هذا فكان محبوبا إلى رعيّته ، يحلفون بحياته ، ويتغالون فيه ، ويلقّبونه قضيب الذّهب . وكان كثير البحث عن أخبار رعيّته . توفّي في عشر التّسعين [ ( 1 ) ] وفي وجهه النّضارة ، وقامته حسنة ، يخيّل إلى من يراه أنّه كهل . قلت : ولمّا رأى أنّ جاره مظفّر الدّين صاحب إربل يتغالى في أمر المولد النّبويّ ويغرم عليه في العام أموالا عظيمة ، ويظهر الفرح والزّينة ، عمد هو إلى يوم في السّنة ، وهو عيد الشّعانين الّذي للنّصارى ، لعنهم اللَّه ، فعمل فيه من اللّهو والخمور والمغاني ما يضاهي المولد المكرّم ، فكان يمدّ سماطا طويلا إلى الغاية بظاهر البلد ، ويجمع مغاني البلاد ، ويكون السّماط خونجا وباطية خمر على هذا التّرتيب ، ويحضره خلائق ، وينثر على النّاس الذّهب من القلعة ، يسفي الذّهب بالصّينيّة الذّهب ، ويرميه عليهم ، وهم يقتتلون ويتخاطفون الدّنانير الخفيفة ، ثمّ يعمد إلى الصّينيّة في الآخر فيقصّ له بالكازن من أقطارها إلى المركز ، وتخلّى معلّقة بحيث أنّه إذا تجاذبوها طلع في يد كلّ واحد منها قطعة . فحدّثونا أنّه كان بالموصل رجل يقال له عثمان القصّاب ، كان طوالا ضخما ، شديد الأيد والبطش ، بحيث أنّه جاء مرّة إلى مخاضة ومعه خمس شياه ليدخل البلد ويقصبها ، فأخذ تحت ذا الإبط رأسين ، وتحت الإبط الآخر رأسين ، وفي فمه رأسا ، وخاض الماء بهم [ ( 2 ) ] إلى النّاحية الأخرى . فإذا رمى بدر الدّين الصّينيّة إلى النّاس تضاربوا عليها ساعة ، ثمّ لا تكاد تطلع إلّا مع عثمان القصّاب . ومقته أهل العلم والدّين على تعظيمه أعياد الكفر ، وعلى أمور أخرى ، فقال فيه شاعرهم : يعظّم أعياد النّصارى تلهيّا * ويزعم أنّ اللَّه عيسى بن مريم
--> [ ( 1 ) ] في عيون التواريخ 20 / 216 « وعمره مقدار ثمانين سنة » . [ ( 2 ) ] كذا ، والصواب : « بها » .