الذهبي
418
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
قال [ ( 1 ) ] : وقيل : إنّه كان يتقن أربعة عشر [ ( 2 ) ] فنّا من العلوم . وكان الحنفية يقرءون عليه مذهبهم ، ويحلّ مسائل « الجامع الكبير » أحسن حلّ . وكذلك أهل الذّمّة يقرءون عليه التّوراة والإنجيل ، ويشرحها لهم شرحا ، يعترفون أنّهم لا يجدون من يوضّحها لهم مثله . وكذلك في كلّ فنّ متى أخذ معه فيه يوهم أنّه لا يعرف سواه لجودة معرفته به . وبالجملة فأخبار فضله في جميع العلوم مشهورة حتّى إنّ الأثير مفضل بن عمر الأبهريّ - على جلالة قدره في العلم وما له من التّصانيف كالتّعليقة في الخلاف والزّيج - يجلس بين يديه ، ويقرأ عليه والنّاس - يوم ذاك - يشتغلون في تصانيف الأثير . وسئل الشيخ كمال الدّين عن الأثير ومنزلته في العلوم ، فقال : ما أعلم ! فقيل : وكيف وهو في خدمتك منذ سنين عديدة واشتغل عليك ؟ فقال : لأنّي مهما قلت له تلقّاه بالقبول ، وما جاذبني في مبحث قطّ حتّى أعلم حقيقة فضله . ولمّا حجّ الشيخ قال الأثير - لمّا بلغه أنّهم لم ينصفوه من دار الخلافة - : واللَّه ما دخل بغداد مثل أبي حامد الغزّاليّ ، وو اللَّه ما بينه وبين الشيخ نسبة . قال ابن خلّكان [ ( 3 ) ] : وكان الشيخ يعرف الفقه ، والأصلين ، والخلاف ، والمنطق ، والطبيعيّ ، والإلهيّ ، والمجسطيّ ، وإقليدس ، والهيئة ، والحساب ، والجبر ، والمقابلة ، والمساحة ، والموسيقى معرفة لا يشاركه فيها غيره . وكان يقرئ « كتاب سيبويه » ، و « المفصّل » للزّمخشريّ . وكان له في التّفسير ، والحديث ، وأسماء الرجال يد جيّدة . وكان يحفظ من التاريخ والأخبار شيئا كثيرا . وله شعر حسن . وكان الأثير يقرأ عليه في المجسطيّ ، وهي لفظة يونانية ، أي : التّرتيب . وكان شيخنا تقيّ الدّين ابن الصلاح يبالغ في الثناء عليه ، ويعظّمه ، فقيل له يوما : من شيخه ؟ فقال : هذا الرجل خلقه اللَّه عالما ، لا يقال : على من اشتغل ؟ فإنّه أكبر من هذا .
--> [ ( 1 ) ] وفيات الأعيان 5 / 311 ، 312 . [ ( 2 ) ] في وفيات الأعيان : « أربعة وعشرين » . [ ( 3 ) ] في وفيات الأعيان : 5 / 312 .