الذهبي
409
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
في سنة ستّ وستمائة ، فردّت النّيابة وأمور الدّيوان إلى القمّي ، ونقل إلى دار الوزارة ، وحضر عنده الدّولة . ولم يزل في علو من شأنه ، وقرب وارتفاع حتّى إنّ الناصر لدين اللَّه كتب بخطّه ما قرئ في مجلس عام : « محمد بن محمد القمّي نائبنا في البلاد والعباد ، فمن أطاعه ، فقد أطاعنا ، ومن أطاعنا ، فقد أطاع اللَّه ومن عصاه فقد عصانا ، ومن عصانا فقد عصى اللَّه » . ولم يزل إلى أن ولي الظاهر بأمر اللَّه ، فأقرّه على ولايته ، وزاد في مرتبته ، وكذلك المستنصر باللَّه قرّبه ورفع قدره وحكّمه في العباد . ولم يزل في ارتقاء إلى أن كبا به جواد سعده ، فعزل ، وسجن بدار الخلافة وخبت ناره ، وذهبت آثاره ، وانقطعت عن الخلق أخباره . قال : وكان كاتبا سديدا بليغا وحيدا ، فاضلا ، أديبا ، عاقلا ، لبيبا ، كامل المعرفة بالإنشاء ، مقتدرا على الارتجال ، متصرّفا في الكلام ، متمكّنا من أدوات الكتابة ، حلو الألفاظ ، متين العبارة ، يكتب بالعربيّ والعجميّ كيف أراد ، ويحلّ التّراجم المغلقة . وكان متمكّنا من السياسة وتدبير الممالك ، مهيبا ، وقورا ، شديد الوطأة تخافه الملوك وترهبه الجبابرة . وكان ظريفا لطيفا ، حسن الأخلاق ، حلو الكلام ، مليح الوجه ، محبّا للفضلاء ، وله يد باسطة في النّحو واللّغة ، ومداخلة في جميع العلوم . إلى أن قال : أنشدني عبد العظيم بن عبد القويّ المنذري ، أخبرنا عليّ بن ظافر الأزديّ ، أنشدني الوزير مؤيّد الدّين القمّي النائب في الوزارة الناصرية ، أنشدني جمال الدّين النّحويّ لنفسه في قينة : سمّيتها شجرا صدقت لأنّها * كم أثمرت طربا لقلب الواجد يا حسن زهرتها وطيب ثمارها * لو أنّها تسقى بماء واحد وبه قال : وأنشدنا لنفسه : يشتهي الإنسان في الصّيف الشّتا * فإذا ما جاءه أنكره فهو لا يرضى بعيش واحد * قتل الإنسان ما أكفره ولد مؤيّد الدّين القمّي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة . وقبض عليه في شوّال سنة تسع وعشرين ، وعلى ولده أحمد ، وسجنا