الذهبي

403

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وشهد مظفّر الدين مع السّلطان صلاح الدّين مواقف كثيرة أبان فيها عن نجدة وقوّة ، وثبت يوم حطّين ، وبيّن . ثمّ وفد أخوه زين الدّين يوسف على صلاح الدّين نجدة ، وخدمة من إربل ، فمرض في العسكر على عكّا وتوفّي في رمضان سنة ستّ وثمانين . فاستنزل صلاح الدّين مظفّر الدين عن حرّان والرّها ففعل ، وأعطاه إربل وشهرزور فسار إليها وقدمها في آخر السنة . ذكره القاضي شمس الدّين وأثنى عليه ، وقال [ ( 1 ) ] : لم يكن شيء أحبّ إليه من الصّدقة ، وكان له كلّ يوم قناطير مقنطرة من الخبز يفرّقها ، ويكسو في السنة خلقا ويعطيهم الدّينار والدّينارين . وبنى أربع خوانك [ ( 2 ) ] للزّمنى والعميان ، وملأها بهم ، وكان يأتيهم بنفسه كلّ خميس واثنين ، ويدخل إلى كلّ واحد في بيته ، ويسأله عن حاله ، ويتفقّده بشيء ، وينتقل إلى الآخر حتّى يدور على جميعهم ، وهو يباسطهم ويمزح معهم . وبنى دارا للنّساء الأرامل ، ودارا للضعفاء الأيتام ، ودارا للملاقيط رتّب بها جماعة من المراضع . وكان يدخل البيمارستان . ويقف على كل مريض ويسأله عن حاله . وكان له دار مضيف يدخل إليها كلّ قادم من فقير أو فقيه فيها الغداء والعشاء ، وإذا عزم على السفر ، أعطوه ما يليق به . وبنى مدرسة للشافعية والحنفية وكان يأتيها كلّ وقت ، ويعمل بها سماطا ثمّ يعمل سماعا فإذا طاب ، وخلع من ثيابه سيّر للجماعة شيئا من الإنعام ، ولم تكن له لذّة سوى السّماع ، فإنّه كان لا يتعاطى المنكر ، ولا يمكّن من إدخاله البلد . وبنى للصّوفية خانقاتين ، فيهما خلق كثير ، ولهما أوقاف كثيرة ، وكان ينزل إليهم ويعمل عندهم السّماعات . وكان يبعث أمناءه في العام مرتين بمبلغ يفتّك به الأسرى ، فإذا وصلوا إليه أعطى كلّ واحد شيئا . ويقيم في كلّ سنة سبيلا للحجّ ، ويبعث في العام بخمسة آلاف دينار للمجاورين . وهو أول من أجرى الماء إلى عرفات ، وعمل آبارا بالحجاز ، وبنى له هناك تربة . قال : وأمّا احتفاله بالمولد ، فإنّ الوصف يقصر عن الإحاطة به ، كان الناس يقصدونه من الموصل ، وبغداد ، وسنجار ، والجزيرة ، وغيرها خلائق من

--> [ ( 1 ) ] في وفيات الأعيان 4 / 116 فما بعدها . [ ( 2 ) ] ويقال فيها : « خوانق » ومفردها : خانكاه وخانقاه .