الذهبي

309

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وهذه السيرة في مجلّد فيها عجائب له من ارتفاع وانخفاض وفرط شجاعة . وفي الآخر تلاشى أمره ، وكبسه التّتار في اللّيل ، فنجا في نحو مائة فارس ، ثمّ تفرّقوا عنه إلى أن بقي وحده وساق خلفه خمسة عشر من التّتار وألحّوا في طلبه ، فثبت لهم ، وقتل منهم اثنين ، فوقفوا . وطلع إلى جبل بنواحي آمد به أكراد ، فأجاره رجل كبير منهم ، فعرّفه أنّه السلطان ووعده بكلّ جميل ، ففرح الكرديّ ، ومضى ليحضر خيله ، ويعلم بني عمّه ، وينهض بأمره ، وتركه عند أمّه ، فجاء كرديّ جريء فقال : أيش هذا الخوارزميّ تخلّونه عندكم ؟ فقيل له : اسكت ، ذا هو السلطان . فقال : إن كان هكذا ، فذا قد قتل - بخلاط - أخي ، ثمّ شدّ عليه بحربة معه ، فقتله في الحال . وقال الموفق عبد اللّطيف : كان أسمر أصفر نحيفا ، سمجا ، لأنّ أمّه هندية . وكان يلبس طرطورا فيه من شعر الخيل ، مصبغا بألوان . وكان أخوه غياث الدّين أجمل الناس صورة وأرقّهم بشرة لكنّه ظلوم غشوم وهو ابن تركية . قال : والزّنا فيهم - يعني في الخوارزميّة - فاش ، واللّواط ليس بقبيح ولا معذوقا [ ( 1 ) ] بشرط الكبر والصّغر . والغدر خلق لا يزايلهم ، أخذوا قلعة عند تفليس بالأمان ، فلمّا نزل أهلها ، وبعدوا يسيرا ، عادوا عليهم ، فقتلوا من كان يصلح للقتل ، وسبوا من كان يصلح للسبي . ورد عليّ رجل من تفليس كان يقرأ عليّ الطبّ ، فذكر لي ذلك كلّه ، وأنّه أقام بتفليس ستّ سنين ، واكتسب مالا جمّا بالطّبّ . فلمّا قرب الخوارزميون جاء رسولهم إلى الملكة بكلام ليّن ، فبينا هو في مجلسها وقد وصل قاصد يخبر بأنّ القوم في أطراف البلاد يعيثون ، فقالت للرسول : أهكذا تكون الملوك يرسلون رسولا بكلام ، ويفعلون خلافه ؟ وأمرت بإخراجه . وبعد خمسة عشر يوما وصلوا ، فخرج إليهم جيش الكرج ، فقال إيواني : نرتّب العسكر قلبا وميمنة وميسرة ، فقال شلوه : هؤلاء أحقر من هذا ، أنا أكفي أمرهم . فنزل في قدر سبعة آلاف أكثرهم تركمان بتهوّر ، وكان في رأسه سكر ، فتقدّم فصار في وسطهم ، وأحاطوا به ، ووقع علمه . فقال إيواني : هذا شلوه قد كسر ، ردّوا بنا ، وأخذ في مضيق ، وتبعه المنهزمون ، فتحطّموا في مضيق عميق حتّى هلك أكثرهم ، وتحصّن إيواني بمن معه في

--> [ ( 1 ) ] معذوق : معلّق ، أخذه من العذق ، وهو عذق النخلة ويشمل العرجون بما فيه من الشماريخ .