الذهبي
204
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وكان ينزل إلى داره بدرب العجم من القلعة والكتاب تحت إبطه ، فأخذ عنه « كتاب » سيبويه ، وشرحه للسّيرافيّ ، وأخذ عنه « الحجّة في القراءات » لأبي عليّ الفارسيّ ، و « الحماسة » وغير ذلك من الكتب المطوّلة ، وحفظ « الإيضاح » في النّحو ، وسمع « المسند » من حنبل المكبّر ، وسمع من عمر بن طبرزد ، وغيره . وله « ديوان » شعر . قال القوصيّ : سمعت منه ديوانه ، وصنّف في العروض ومع ذلك فما يقيم الوزن في بعض الأوقات . وكان محبّا لمذهبه ، متغاليا فيه ، كثير الاشتغال مع كثرة الأشغال ، وكان محبّا للفضيلة ، قد جعل لمن يعرض « المفصّل » للزمخشريّ مائة دينار ، ولمن يحفظ « الجامع الكبير » مائتي دينار ، ولمن يحفظ « الإيضاح » ثلاثين دينارا ، سوى الخلع . وقد حجّ في أيام والده سنة إحدى عشرة وستمائة . وجدّد البرك والمصانع ، وأحسن إلى الحجّاج كثيرا . وبنى سور دمشق ، والطّارمة الّتي على باب الحديد ، والخان الّذي على باب الجابية ، وبنى بالقدس مدرسة ، وبنى عند جعفر الطّيّار - رضي اللَّه عنه - مسجدا [ ( 1 ) ] . وعمل بمعان دار مضيف وحمّامين . وكان قد عزم على تسهيل طريق الحاجّ وأن يبني في كلّ منزلة . وكان يتكلّم مع العلماء ، ويناظر ، ويبحث . وكان ملكا حازما ، وافر الحرمة ، مشهورا بالشّجاعة والإقدام ، وفيه تواضع ، وكرم ، وحياء ، وقد ساق على فرس واحد من دمشق إلى الإسكندرية في ثمانية أيام في حدود سنة سبع وستمائة إلى أخيه الملك الكامل محمد ، فلمّا التقيا ، قال له الكامل بعد أن اعتنقه والتزمه : اطلع اركب ، فقال : وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا * فظهورهن على الرّكاب حرام فطرب الكامل وأعجبه . وكان قد أعدّ الجواسيس والقصّاد ، فإنّ الفرنج كانوا على كتفه ، فلذلك كان يظلم ، ويعسف ، ويصادر . وأخرب القدس ، لعجزه عن حفظه من الفرنج ، وأدار الخمور ، وكان يملك من العريش إلى حمص ، والكرك ، والشّوبك ، وإلى العلى .
--> [ ( 1 ) ] يعني : بمؤتة ، وهي تقع جنوب عمان .