الذهبي
81
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
القوافل ، وساروا في اللّيل ، فتهيّأت الفرنج لكبسهم وكمنوا لهم ، ثمّ بيّتوهم بأرض الحسا . فطاف الإنكتير حول القفل في صورة بدويّ ، فرآهم ساكنين ، فكبسهم في السّحر بخيله ورجله ، فكان الشّجاع من نجا بنفسه . وكانت وقعة شنعاء لم يصب النّاس بمثلها في هذه السّنين . وتبدّد النّاس في البرّيّة وهلكوا ، وحازت الفرنج أموالا وأمتعة لا تحصى ، وأسروا خمسمائة نفس ، ونحو ثلاثة آلاف جمل محمّلة ، فقويت نفوس الملاعين بالظّفر والغنائم ، وعزموا على قصد القدس [ ( 1 ) ] . [ المشورة في أمر القدس ] وسار كندهري إلى صور ، وطرابلس ، وعكّا يستنفر النّاس ، فهيّأ السّلطان القدس وحصّنها للحصار ، وأفسد المياه الّتي بظاهر القدس كلّها ، وجمع الأمراء للمشورة ، فقال القاضي بهاء الدّين بن شدّاد [ ( 2 ) ] : فأمرني أن أحثّهم على الجهاد ، فذكرت ما يسّر اللَّه تعالى ، وقلت : إنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم لمّا اشتد به الأمر بايع الصّحابة على الموت ، ونحن أول من تأسّى به ، نجتمع عند الصّخرة ، ونتحالف على الموت . فوافقوا على ذلك . وسكت السّلطان طويلا ، والنّاس كأنّ على رؤوسهم الطّير ، ثمّ قال : الحمد للَّه والصّلاة على رسول اللَّه . اعلموا أنّكم جند الإسلام اليوم ومنعته ، وأنتم تعلمون أنّ دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلّقة في ذمّتكم [ ( 3 ) ] . وإنّ هذا العدوّ ليس له من يلقاه غيركم ، فلو لويتم أعنّتكم ، والعياذ باللَّه ، طوى البلاد ، وكان هذا من ذمّتكم ، فإنّكم أنتم الّذين تصدّيتم لهذا ، وأكلتم بيت مال المسلمين لحفظ حوزتهم . فانتدب جوابه سيف الدّين المشطوب وقال : نحن مماليكك وعبيدك ، وأنت الّذي أنعمت علينا وعظّمتنا [ ( 4 ) ] ، وليس لنا إلّا رقابنا ، وهي بين يديك ،
--> [ ( 1 ) ] الكامل 12 / 82 ، مفرّج الكروب 2 / 284 ، تاريخ ابن الفرات 4 / 2 / 66 - 68 . [ ( 2 ) ] في النوادر السلطانية ، وعنه ينقل ابن الفرات في تاريخه 4 / 2 / 69 . [ ( 3 ) ] في تاريخ ابن الفرات 4 / 2 / 69 « في ذممكم » . [ ( 4 ) ] في تاريخ ابن الفرات 4 / 2 / 69 « وأعنتنا » .