الذهبي
362
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ثمّ إنّ صلاح الدّين رأى أنّ عود العادل إلى مصر ، وعود الظّاهر إلى حلب أصلح . وعوّض بعد العادل بحرّان ، والرّها ، وميّافارقين . وفي شعبان سنة إحدى وثمانين نزل صلاح الدّين على الموصل ، وتردّدت الرّسل بينه وبين صاحبها عزّ الدّين . ثمّ مرض صلاح الدّين ، فرجع إلى حرّان ، واشتدّ مرضه حتّى أيسوا منه ، وحلفوا لأولاده بأمره ، وجعل وصيّه عليهم أخاه العادل وكان عنده . ثمّ عوفي ومرّ بحمص وقد مات بها ابن عمّه ناصر الدّين محمد بن شيركوه ، فأقطعها لولده شيركوه . ثمّ استعرض التّركة فأخذ أكثرها . قال عزّ الدّين ابن الأثير : وكان عمر شيركوه اثنتي عشرة سنة . ثمّ إنّه حضر بعد سنة عند صلاح الدّين ، فقال له : أين بلغت في القرآن ؟ قال : إلى قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [ ( 1 ) ] فعجب الحاضرون من ذكائه . وفي سنة اثنتين وثمانين عاد الظّاهر فدخل حلب ، وزوّجه أبوه بغازية بنت أخيه الملك العادل ، فدخل بها بحلب في السّنة . وفي سنة ثلاث افتتح صلاح الدّين بلاد الفرنج ، وقهرهم وأباد خضراءهم ، وأسر ملوكهم ، وكسرهم على حطّين . وافتتح القدس ، وعكّا ، وطبريّة ، وغير ذلك . وكان قد نذر أن يقتل البرنس أرناط صاحب الكرك ، فكان ممّن وقع في أسره يومئذ ، وكان قد جاز به قوم من مصر في حال الهدنة ، فغدر بهم ، فناشدوه الصّلح الّذي بينه وبين المسلمين ، فقال ما فيه استخفاف بالنّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم وقتلهم ، فاستحضرهم صلاح الدّين ، ثمّ ناول الملك جفري شربة من جلّاب وثلج ، فشرب ، وكان في غاية العطش ، ثمّ ناولها البرنس أرناط ، فشرب . فقال السّلطان للتّرجمان : قلّ للملك جفري ، أنت الّذي سقيته ، وإلّا أنا فما سقيته .
--> [ ( 1 ) ] سورة التوبة ، الآية 34 .