الذهبي

333

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وخيالات غير صائبة ، فإنّ الجواهر لا تزول بالأعراض ، كما أنّ الأرواح لا تضمحلّ بالأمراض . وإن عدنا إلى الظّواهر ، وعدلنا عن البواطن ، فلنا في رسول اللَّه أسوة حسنة : ما أوذي نبيّ ما أوذيت . وقد علمتم ما جرى على عترته وشيعته ، والحال ما حال ، والأمر ما زال ، وللَّه الأمر في الآخرة والأولى . وقد علمتم ظاهر حالنا ، وكيفيّة رجالنا ، وما يتمنّونه من الفوت ، ويتقرّبون به إلى حياض الموت ، وفي المثل : « أو للبطّ تهدّد بالشّطّ » ؟ فهيّئ للبلايا أسبابا ، وتدرّع للرّزايا جلبابا ، فلأظهرنّ عليك منك ، وتكون كالباحث عن حتفه بظلفه ، وما ذلك على اللَّه بعزيز ، فإذا وقفت على كتابنا هذا ، فكن لأمرنا بالمرصاد ، ومن حالك على اقتصاد ، وأقرأ « النّحل » [ ( 1 ) ] وآخر ، « ص » [ ( 2 ) ] . وقال كمال الدّين : حدّثني النّجم محمد بن إسرائيل قال : أخبرني المنتجب بن دفتر خوان قال : أرسلني صلاح الدّين إلى سنان زعيم الإسماعيليّة حين وثبوا على صلاح الدّين للمرّة الثّالثة بدمشق ، ونعى القطب النّيسابوريّ ، وأرسل معي تهديدا وتخويفا ، فلم يجبه ، بل كتب على طرّة كتاب صلاح الدّين ، وقال لنا : هذا جوابكم . جاء الغراب إلى البازيّ يهدّده * ونبهت لصراع الأسد أضبعه يا من يهدّدني بالسّيف خذه وقم * لا قام مصرع جنبي حين تصرعه يا من يسدّ فم الأفعى بإصبعه * يكفيه ما لقيت من ذاك إصبعه [ ( 3 ) ] ثمّ قال : إنّ صاحبكم يحكم على ظواهر جنده ، وأنا أحكم على بواطن جندي ، ودليله ما تشاهد الآن . ثمّ دعا عشرة من صبيان القاعة ، وكان على حصنه المنيف ، فاستخرج سكّينا وألقاها إلى الخندق ، وقال : من أراد هذه فليلق نفسه خلفها . فتبادروا جميعا وثبا خلفها ، فتقطّعوا . فعدنا إلى السّلطان صلاح الدّين وعرّفناه ، فصالحه .

--> [ ( 1 ) ] أول سورة النحل : « أتى أمر اللَّه فلا تستعجلوه . . . » . [ ( 2 ) ] آخر سورة ص : « ولتعلمنّ نبأه بعد حين » . [ ( 3 ) ] تقدّمت هذه الأبيات بصيغة مختلفة قبل قليل .