الذهبي

240

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وسمع بها الكثير ، وتفقّه . قرأت أخباره بخطّ الحافظ الضّياء قال : اشتغل بالفقه ، والخلاف ، والفرائض ، والنّحو ، وصار إماما ، عالما ، ذكيّا ، فطنا ، فصيحا ، مليح الإيراد ، حتّى إنّني سمعت بعض النّاس يقول عن بعض الفقهاء إنّه قال : ما اعترض السّيف على مستدلّ إلّا ثلم دليله . وكان يتكلّم في المسألة غير مستعجل بكلام فصيح من غير توقّف ولا تتعتع . وكان رحمه اللَّه حسن الخلق والخلق ، وكان أنكر منكرا ببغداد ، فضربه الّذي أنكر عليه وكسر ثنيّته ، ثمّ إنّه مكّن من ذلك الرجل ، فلم يقتصّ منه . وسافرت معه إلى بيت المقدس ، فرأيت منه من ورعه وحسن خلقه ما تعجّبت منه . قال : وشهدنا غزاة مع صلاح الدّين ، فجاء ثلاثة فقهاء فدخلوا خيمة أصحابنا ، فشرعوا في المناظرة ، وكان الشّيخ الموفّق والبهاء حاضرين ، فارتفع كلام أولئك الفقهاء ، ولم يكن السّيف حاضرا ، ثمّ حضر فشرع في المناظرة ، فما كان بأسرع من أن انقطعوا من كلامه . وسمعت البهاء عبد الرّحمن يقول مرّة : كان أبو القاسم عبد اللَّه بن عمر فيه من الذّكاء والفطنة ما يدهش أهل بغداد . كان يحفظ درس الشّيخ إذا ألقي عليه من مرّة أو مرّتين ، وكنت أنا أتعب حتّى أحفظه . وكان ورعا ، يتعلّم من العماد ويسلك طريقه . وكان مبرّزا في علم الخلاف . واشتغل بالنّحو على الشّيخ أبي البقاء ، فحفظ كتاب « الإيضاح » لأبي عليّ الفارسيّ . واشتغل بعلم العروض وصنّف فيه تصانيف [ ( 1 ) ] . قال الضّياء : توفّي بحرّان في شوّال . ورثاه سليمان بن النّجيب بقوله : على مثل عبد اللَّه يفترض الحزن * وتسفح آماق ولم يغتمض جفن عليه بكى الدّين الحنيفيّ والتّقى * كما قد بكاه الفقه والذّهن والحسن

--> [ ( 1 ) ] في الأصل : « تصانيفا » .