الذهبي

127

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

ببعض قرى أصبهان رجل من أهل العلم والدّين أراد أن يحجّ حجّ نافلة ، فجاء جماعة إلى الحافظ أبي موسى فسألوه أن يشفع إليه في قعوده عن الحجّ لما يرجون من الانتفاع بإقامته ، فخرج معهم إلى القرية راكبا على حمار ، فأجابه إلى ذلك ، فحملوا إلى أبي موسى شيئا من الذّهب ، فلم يقبله . فقالوا : فرّقه في أصحابك . قال : فرّقوه أنتم إن شئتم . وحدّثني بعض من رحل بعدي إلى أصبهان أنّ رجلا من الأغنياء أوصى إلى الشّيخ أبي موسى بمال كثير يفرّقه في البرّ ، فلم يقبل ، وقال : بل أوصي إلى غيري ، وأنا أدلّك إلى من تدفعه إليه . ففعل . وفيه من التّواضع بحيث أنّه يقرئ كلّ من أراد ذلك من صغير وكبير ، ويرشد المبتدءين ، حتّى رأيته يحفّظ صبيانا القرآن في الألواح . ولا يكاد يستتبع أحدا إذا مضى إلى موضع ، حتّى إنّني تبعته مرّة فقال : ارجع . ثمّ تبعته ، فالتفت إليّ مغضبا وقال لي : ألم أقل لك لا تمش خلفي ، أنت إذا مشيت خلفي لا تنفعني . وتبطل عن النّسخ ، وتردّدت إليه نحوا من سنة ونصف ، فما رأيت منه ولا سمعت عنه سقطة تعاب عليه . وقال محمد بن محمود الرّويدشتيّ [ ( 1 ) ] : توفّي الحافظ أبو موسى في تاسع جمادى الأولى ، وكان أبو مسعود كوتاه الحافظ يقول : أبو موسى كنز مخفيّ . وقال الحسين بن يوحن [ ( 2 ) ] الباورّيّ [ ( 3 ) ] : كنت في مدينة الخان [ ( 4 ) ] فجاءني رجل فسألني عن رؤيا قال : رأيت كأنّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم توفّي . فقلت : هذه رؤيا الكبار ، وإن صدقت رؤياك يموت إمام لا نظير له في زمانه . فإنّ هذا المنام رئي حالة وفاة الشّافعيّ ، والثّوريّ ، وأحمد بن حنبل .

--> [ ( 1 ) ] الرّويدشتيّ : نسبة إلى رويدشت . ( معجم البلدان ) ويقال لها أيضا : « روذدشت » قرية من قرى أصبهان . وقد تصحّفت في طبقات الشافعية الكبرى إلى « الرويدني » . [ ( 2 ) ] في تذكرة الحفاظ « يوحز » ، وسيأتي برقم ( 251 ) في وفيات 587 ه . ثم برقم ( 292 ) في وفيات 588 ه . [ ( 3 ) ] الباورّي : نسبة إلى باورّ موضع باليمن . [ ( 4 ) ] الخان : موضع بأصبهان .