الذهبي
302
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وكان فصيحا ، أديبا ، شاعرا ، سمحا ، جوادا ، لم تطل أيّامه حتّى خرج من بغداد إلى الموصل ، ودخل ديار بكر ، ومضى إلى أذربيجان ، ومازندران ، ثمّ عاد إلى أصبهان . وأقام على باب أصبهان إلى أن قتلته الملاحدة هناك . وكان بعد خروجه من بغداد وصول السّلطان مسعود بن محمد إليها ، فاجتمع بالكبار ، وخلع الراشد باللَّه ، وبايع عمّه الإمام المقتفي . ودام الأمر سنة للراشد قبل ذلك . قال ابن ناصر الحافظ : دخل السّلطان محمود إلى بغداد وفي صحبته أصحاب المسترشد باللَّه الوزير عليّ بن طراد ، وصاحب المخزن ابن طلحة ، وكاتب الإنشاء ، فخرج الراشد باللَّه طالبا إلى الموصل في صحبة أميرها زنكيّ . وفي اليوم الثالث أحضروا ببغداد القضاة والعلماء عند الوزير عليّ بن طراد ، وكتبوا محضرا فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد باللَّه من الظّلم ، وأخذ الأموال ، وسفك الدّماء ، وشرب الخمر ، واستفتوا العلماء في من فعل ذلك ، هل تصحّ إمامته ؟ وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ، ويستبدل به خيرا منه ؟ فأفتوا بجواز خلعه ، وفسخ عقده ؟ ووقع الاختيار على تولية الأمير أبي عبد اللَّه محمد بن المستظهر باللَّه ، فحضر السّلطان مسعود والأمراء إلى دار الخلافة ، وأحضر الأمير أبو عبد اللَّه ، وحضر الوزير ، وأبو الفتوح بن طلحة ، وابن الأنباريّ الكاتب ، وبايعوه ، ولقّب بالمقتفي لأمر اللَّه ، وبايع الخلق وعمره أربعون سنة ، وقد وخطه الشّيب . وخرج الراشد باللَّه من الموصل إلى بلاد أذربيجان ، وكان معه جماعة ، فقسّطوا على مراغة مالا ، وعاثوا هناك ، ومضوا إلى همذان فدخلوها . وقتلوا جماعة ، وصلبوا آخرين ، وحلقوا لحي جماعة من العلماء وأفسدوا . ثم مضوا إلى نواحي أصبهان فحاصروا البلد ونهبوا القرى . ونزل الراشد بظاهر أصبهان ، ومرض مرضا شديدا ، فبلغنا أنّ جماعة من العجم كانوا فرّاشين معه دخلوا عليه خركانة في سابع وعشرين رمضان ، فقتلوه بالسّكاكين ، ثمّ قتلوا كلّهم . وبلغنا أنّهم كانوا سقوه سمّا ، فلو تركوه لما عاش . وبنى له هناك تربة ، سامحه اللَّه .