الذهبي

129

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

الزّاهد العارف ، ولد بالرحبة ، ونشأ ببغداد . وكان له كاركة للدبس ، يجلس في غرفتها . وكان من الأولياء أولي الكرامات . صحبه خلق ، فأرشدهم إلى اللَّه تعالى ، وظهرت بركته عليهم ، وكان يتكلّم على الأحوال . وقد كتبوا من كلامه نحوا من مائة جزء . وكان أمّيّا لا يكتب . قال عبد الرحمن بن محمد بن حمزة الشّاهد : رأيت في المنام كأنّ قائلا يقول لي : حمّاد شيخ العارفين والأبدال . وعن حمّاد قال : مات أبواي في يوم واحد ، ولي نحو ثلاثين سنة . وكانا من أهل الرحبة . وقال أحمد بن صالح الجيليّ : سمع من أبي الفضل بن خيرون ، وكان يتكلّم على آفات الأعمال في المعاملات ، والرياضيات ، والورع ، والإخلاص . وقد جاهد نفسه بأنواع المجاهدات ، وزوال أكثر المهن والصّنائع في طلب الحلال . وكان كأنّه مسلوب الاختيار ، مكاشفا بأكثر الأحوال . ومن كلام الشّيخ حمّاد : إذا أحبّ اللَّه عبدا أكثر همّه فيما فرّط ، وإذا أبغض عبدا أكثر همّه فيما قسمه له ووعده به . العلم محجّة ، فإذا طلبته [ ( 1 ) ] لغير اللَّه صار حجّة . وقال أبو سعد السّمعانيّ : سمعت أبا نصر عبد الواحد بن عبد الملك يقول : كان الشّيخ حمّاد يأكل من النّذر ، ثمّ تركه لمّا بلغه قوله عليه السّلام « إنّه يستخرجه به من البخيل » [ ( 2 ) ] ، فكره أكل مال البخيل . وصار يأكل بالمنام . كان الإنسان يرى في النّوم أنّ قائلا يقول له : أعط حمّادا كذا فيصبح ويحمل ذلك إلى الشّيخ .

--> [ ( 1 ) ] في الأصل : « طالبته » . [ ( 2 ) ] أخرجه البخاري ( 6693 ) ومسلم ( 1639 ) من حديث عبد اللَّه بن عمر ، في النذر ، أنّ النبي صلى اللَّه عليه وسلّم نهى عن النذر ، وقال : « إنه لا يأتي بخير » . وأخرجه مسلم ( 1640 ) من حديث أبي هريرة ، بلفظ : « لا تنذروا ، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا ، وإنما يستخرج به من البخيل » .