الذهبي

117

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

البشير ، فالتفّوا على عبد المؤمن ، ودام القتال إلى اللّيل . وصلّى بهم عبد المؤمن يومئذ صلاة الخوف والحرب قائمة . وتكاثر الملثّمون ، وتحيّز المصامدة إلى بستان هناك ملتفّ بالشجر يعرف بالبحيرة ، فلذا قيل وقعة البحيرة . وبلغت قتلاهم ثلاثة عشر ألفا . وأنهي الخبر إلى المهديّ فقال : عبد المؤمن سالم ؟ قيل : نعم . قال : ما مات أحد ، الأمر قائم . وكان مريضا ، فأمر باتّباع عبد المؤمن ، وعقد له من بعده ، وسمّاه أمير المؤمنين ، وقال لهم : هذا الّذي يفتح اللَّه البلاد على يده ، فلا تشكّوا فيه وأعضدوه بأموالكم وأنفسكم . ثمّ مات في آخر سنة أربع وعشرين . قال اليسع بن حزم : سمّى ابن تومرت اتباع المرابطين مجسّمين ، وما كان أهل المغرب يدينون إلّا بتنزيه اللَّه تعالى عمّا لا يجب له ، وصفته بما يجب له ، وترك الخوض فيما تقصر العقول عن فهمه . وكان علماء المغرب يعلّمون العامّة أنّ اللّازم لهم أنّ اللَّه ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير ، إلى أن قال : فكفّرهم ابن تومرت بوجهين ، بجهل العرض والجوهر . وأنّ من لا يعرف ذلك لا يعرف المخلوق ، ولم يعرف الخالق . الوجه الثّاني إنّ من لم يهاجر إليه ، ولم يقاتل المرابطين معه ، فهو كافر ، حلال الدّم والحريم . وذكر أنّ غضبه للَّه ، وإنّما قام حسبة على قوم أغرموا النّاس ما لا يجب عليهم . وهذا تناقض ، لأنّه كفّرهم ، وإنّ كانوا مسلمين . فأخذ المرابطين منهم النّزر اليسير أشبه من قتلهم ونهبهم . وحصل له في نفوس أتباعه من التّصديق له والبركة ما لا يجوزه الوصف . وقال القاضي شمس الدّين [ ( 1 ) ] : طالت المدّة على ابن تومرت ، فشرع في حيلة ، وذلك أنّه رأى أولاد المصامدة شقرا زرقا ، ولون الآباء سمر ، قال لهم عن ذلك ، فلم يجيبوه ، فلمّا ألحّ عليهم فقالوا : نحن من رعيّة أمير المسلمين عليّ ، وله علينا خراج . وفي كلّ سنة تصعد مماليكه إلينا ، وينزلون في بيوتنا ، ويخرجونا

--> [ ( 1 ) ] في وفيات الأعيان 5 / 54 .