الذهبي
9
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
من الأشاعرة يصرّحون بتكفير من استخفّ بالمصاحف وشيخنا الذّهبيّ غيّر عادته بهم ، وأذن برأيهم ، والحديث في الصّحيح . وقال يوما على المنبر : قيل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم كيف أصبحت ؟ فقال : أعمى بين العميان ، ضالّا بين الضّالّين . فاستحضره الوزير ، فأقرّ ، وأخذ يتأوّل تأويلات فاسدة ، فقال الوزير للفقهاء : ما تقولون ؟ فقال ابن سلمان مدرّس النّظاميّة : لو قال هذا الشّافعيّ ما قبلنا منه ، ويجب على هذا أن يجدّد إيمانه وتوبته . فمنع من الجلوس بعد أن استقرّ أنّه يجلس ، ويشدّ الزّنّار ، ثمّ يقطعه ويتوب ، ثمّ يرحل . فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده ، وكان أشعريا . فأعادوه إلى الجلوس ، وكان يتكلّم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب العوامّ ، فافتتن به خلق ، وزادت الفتن ببغداد . وتعرّض أصحابه بمسجد ابن جردة [ ( 1 ) ] فرجموه ، ورجم معهم أبو الفتوح . وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السّيوف مسلّلة ، ثمّ اجتاز بسوق الثّلاثاء ، فرجم ورميت عليه الميتات ، ومع هذا يقول : ليس هذا الّذي نتلوه كلام اللَّه ، إنّما هو عبارة ومجاز . ولمّا مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد ، وغلّقت الأسواق [ ( 2 ) ] ، وكان عوامّ الحنابلة يصيحون على عادتهم : هذا يوم سنّيّ حنبليّ لا أشعريّ ولا قشيريّ ويصرخون بأبي الفتوح هذا . فمنعه المسترشد باللَّه من الجلوس ، وأمره أن يخرج من بغداد . وكان ابن صدقة يميل إلى السّنّة ، فنصرهم . ثمّ ظهر عند إنسان كرّاس قد اشتراها ، فيها مكتوب القرآن ، وقد كتب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات . ففتّش على كاتبها ، فإذا هو مؤدّب ، فكبس بيته ، فإذا فيه كراريس كذلك ، فحمل إلى الدّيوان ، وسئل عن ذلك ، فأقرّ ، وكان من أصحاب أبي الفتوح ، فنودي عليه على حمار ، وشهّر ، وهمّت العامّة بإحراقه . ثمّ أذن لأبي الفتوح ، فجلس [ ( 3 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] في الأصل : « ابن جروة » . والمثبت عن المنتظم . [ ( 2 ) ] في الأصل : « الأصوات » . [ ( 3 ) ] المنتظم 10 / 6 ، 7 ( 17 / 245 ، 246 ) .