الذهبي
323
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
يعقوب وضايقها ، وقطّع أشجارها ، وحاصرها مدّة . ثمّ خاف المسلمون البرد وزيادة النّهر ، فأشاروا على أبي يعقوب بالرجوع فوافقهم . وقال : غدا فرحل . فكان أوّل من قوّض خباءه أبو الحسن عليّ بن القاضي عبد اللَّه المالقيّ ، وكان خطيبهم . فلمّا رآه النّاس قوّضوا أخبيتهم ثقة به لمكانه ، فعبر تلك العشيّة أكثر العسكر النّهر ، وتقدّموا خوف الزّحام ، وبات النّاس يعبرون اللّيل كلّه ، وأبو يعقوب لا علم له بذلك . فلمّا رأى الروم عبور العساكر ، وأخبرهم عيونهم بالأمر ، انتهزوا الفرصة وخرجوا وحملوا على النّاس ، فانهزموا أمامهم حتّى بلغوا إلى مخيّم أبي يعقوب ، فقتل على باب المخيّم خلق من أعيان الجند ، وخلص إلى أمير المؤمنين ، فطعن تحت سرّته طعنة مات منها بعد أيّام يسيرة . وتدارك النّاس ، فانهزم الروم إلى البلد ، وقد قضوا ما قضوا ، وعبر الموحّدون بأبي يعقوب جريحا في محفّة ، وتهدّد ابن المالقيّ فهرب بنفسه حتّى دخل مدينة شنترين ، فأكرمه ابن الربق . وبقي عنده إلى أن تهيّأ له أمر ، فكتب إلى الموحّدين يستعطفهم ويتقرّب إليهم بضعف البلد ، ويدلّهم على عورته . وقال لابن الربق : إنّي أريد أن أكتب إلى عيالي بإكرام الملك لي . فأذن له ، فعثر على كتابه فأحضره وقال : ما حملك على هذا مع إكرامي لك ؟ فقال : إنّ ذلك لا يمنعني من النّصح لأهل ديني . فأحرقه . ولم يسيروا بأبي يعقوب إلّا ليلتين أو ثلاثا حتّى مات . وأخبرني من كان معهم أنّه سمع في العسكر النّداء الصّلاة على جنازة رجل ، فصلّى النّاس قاطبة لا يعرفون على من صلّوا . وصبّروه وبعثوا به في تابوت مع كافور الحاجب إلى تينملّل ، فدفن هناك مع أبيه وابن تومرت . مات في سابع رجب ، وأخذ البيعة لابنه يعقوب عند موته ، فبايعوه . وفيها ولد :