الذهبي
183
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
يعرف صناعة الإنشاء ، فرأى بها القاضي الفاضل والعماد الكاتب وتلك الحلبة ، فعلم من نفسه أنّه ليس من طبقتهم ، فسلك سبيل الهزل ، وعمل المنامات المشهورة [ ( 1 ) ] ، والرسائل المعروفة . ولو لم يكن في ذلك إلّا المنام الكبير لكفاه ، فإنّه ما سبق إلى مثله . قدم دمشق وأقام بها مديدة ، وبها توفّي في رجب . وأمّا وهران فمدينة كبيرة على أرض القيروان بينها وبين تلمسان يومان . بنيت سنة تسعين ومائتين . ومن كلامه ، ممّا كتب به إلى القاضي الأثير : « فالخادم كلّما ذكر تلك المائدة الخصيبة ، وما يجري عليها من الخواطر المصيبة علم أنّ التخلّف عنها هو المصيبة . لكنّه إذا ذكر ما يأتي بعدها من القيام والقعود ، والركوع والسّجود ، علم أنّ هذا أجرة ما يأكله من تلك الوليمة ، نحو من عشرين تسليمة ، كلّ لقمة بنقمة ، فما تحصل الشّبعة إلّا بأربعين ركعة ، فيكون الدّعوة عليه لا له ، والحضور في الشّرطة أحبّ إليه منها له . فزهدت حينئذ في الوصول ، إذ ليس للخادم من الدّين ، ولا قوّة اليقين ، ما يهجز لأجله مؤاكلة الوجوه القمريّة ، بمشاهدة السّنّة العمرية . فموعد الإتمام انقضاء شهر الصّيام ، والسّلام » . وكتب رقعة إلى ابن القاسم العونيّ الأعور : يا مولاي الشّيخ الزّاهد ، دبّوس الإسلام ، لتّ الفقهاء ، قنطاريّة العلماء ، تافروت الأئمّة ، طبل باز السّنّة ، نصر اللَّه خاطرك ، وستر ناظرك . أنت تعلم أنّ اللَّه ما خلقك إلّا تلعة ، فكن في رقاب الرّافضة واليهود ، وما صوّرك إلّا لالكة في رؤوس المبتدعة ، وأراذل الشّهود . وأنت بلا مرية جعموس عظيم ، ولكن في ذقون الزّائغين ، فاللَّه ينفعك بالإسلام ، ولا يوقعك يوم القيامة في يد عليّ عليه السّلام ، وأن ينقذك من الهاوية ، بشفاعة معاوية .
--> [ ( 1 ) ] طبعت باسم « منامات الوهراني ومقاماته ورسائله » ، بتحقيق : إبراهيم شعلان ومحمد تغش . وصدرت عن دار الكاتب العربيّ للطباعة والنشر بالقاهرة 1387 ه . / 1968 م .