الذهبي
131
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
--> [ ( - ) ] ونهض عضد الدين بأعباء الوزارة نهوضا مرضيا ، وفرّق في يوم جلوسه في دست الوزارة ذهبا كثيرا وحنطة على المقيمين بالمشاهد والجوامع والمدارس والرّبط ، وتلطّف بالأمور تلطّفا لم يكن في حساب الناس . وبيته مشهور بالرياسة يعرفون قديما ببيت الرفيل ، وكان ابن التعاويذي الشاعر البغدادي شاعرهم ومنقطعا إليهم وأنفق جلّ عمره معهم ، ولهم يخاطب بقوله : قضيت شطر العمر في مدحكم * ظنا بكم أنكم أهله وعدت أفنيه هجاء لكم * فضاع فيكم عمري كلّه وله فيهم مدائح كثيرة ، فمن جملتها : وما زلت في آل الرّفيل بمعزل * عن الجور مبذولا لي الأمن والخصب فإن اقترف ذنبا بمدح سواهم * فإنّ خماص الطير يقنصها الحبّ وإن عاد لي عطف الوزير محمد * فقد أكثب النائي ولان لي الصّعب وزير إذا اعتلّ الزمان فرأيه * هناء به تطلى خلائقه الجرب وما زال أمر عضد الدين يجري على السداد حتى عزله المستضيء وقبض عليه . وصورة عزله : كان يوما جالسا في الدست فهجم عليه خادم من خدم الخليفة فقال له : قد استغني عنك ! ثم أطبق دواته ودخل الأتراك والجند إلى دوره فنهبوا ما بها ، ودخل العوامّ أيضا وكسرت الصناديق الآبنوس والعاج بالدبابيس وأخذ جميع ما كان بها . فخرج عضد الدين وهو يتشاهد ويقول للأتراك : أما تستحيون مني ! أما دخلتم داري ! أما أكلتم زادي ! فلم ينفعه ذلك . فلم يمض إلّا ساعة واحدة حتى صارت داره بلاقع ، ثم حمل إلى الحريم ووكل به هناك مدة ، ثم أعاده المستضيء إلى الوزارة وحكّمه وبسطه ، فصفت له الدنيا وعظم شأنه وكثرت خيراته وهباته وأحبّه الناس . وكان سخيّا وهوبا شريف النفس . قيل : إنه ما اشترى لداره قطّ سكّرا بأقلّ من ألف دينار . حدّث عنه بعض مماليكه قال : احتاج مرة إلى ألف دينار فأنفت نفسه أن يقترضها من أولاده أو من غيرهم ، وكان يأنس بي ، فقال لي : يا ولدي قد احتجت إلى ألف دينار أعيدها عليك بعد أيام . فقلت : السمع والطاعة يا مولاي . ثم مضيت وأحضرت له خمسة آلاف دينار . وقلت : يا مولاي ، هذه واللَّه ، اكتسبتها منك ، فخذ منها ما شئت . فأطرق ساعة ، ثم قال : واللَّه لا أخذت منها حبّة واحدة ، خذها وانصرف ، ثم أنشد : والصاحب المتبوع يقبح أن يرى * متتبّعا ما في يدي أتباعه ولم يزل أمره في الوزارة الثانية جاريا على السداد حتى كان آخر مدّته ، فطلب من الخليفة الإذن له في الحج ، فأذن له ، فتجهّز تجهّزا لم ير مثله . ثم عبر إلى الجانب الغربي من مدينة السلام ليتوجّه إلى الحلّة والكوفة ومنها إلى مكة ، وبين يديه جميع أرباب الدولة ، فلقيه رجل عند محلّة هناك تعرف بقطفتا ، فقال : يا مولانا مظلوم مظلوم وناوله قصّة ، فتناولها الوزير منه ، فوثب عليه وثبة عالية وضربه بسكّين في ترقوته ، ووثب عليه آخر من -