الذهبي
94
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
قلت : للعلماء قولان في داود هل يعتدّ بخلافه أم لا ؟ فقال أبو إسحاق الأسفرائينيّ : قال الجمهور إنّهم ، يعني قضاة القياس ، لا يبلغون رتبة الاجتهاد ، ولا يجوز تقليدهم القضاء . ونقل الأستاذ أبو منصور البغداديّ ، عن أبي عليّ ، عن أبي هريرة ، وطائفة في الشّافعيّين أنّه لا اعتبار بخلاف داود ، وسائر نقله القياس في الفروع دون الأصول . وقال أبو المعالي الجوينيّ : الّذي ذهب إليه أهل التحقيق أنّ منكري القياس لا يعدّون من علماء الأئمّة ولا من حملة الشريعة ، لأنّهم معاندون مباهتون فيما ثبت استفاضة وتواترا ، لأنّ معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد ، ولا تفي النّصوص بعشر معشارها ، وهؤلاء يلتحقون بالعوامّ [ ( 1 ) ] . قلت : قول أبي المعالي رحمه اللَّه فيه بعض ما فيه ، فإنّما قاله باجتهاد ، ونفيهم للقياس أيضا باجتهاد ، فكيف يردّ الاجتهاد بمثله ؟ نعم ، وأيضا فإذا لم يعتدّ بخلافهم لزمنا أن نقول إنّهم خرقوا الإجماع ، ومن خالف الإجماع يكفّر ويقتل حدّ العنادة . فإن قلتم خالفوا الإجماع بتأويل سائغ ، قلنا : فهذا هو المجتهد ، فلا نقول يجوز تقليده ، إنما يحكى قوله ، مع أنّ مذهبه أن لا يحلّ لأحد أن يقلّدهم ولا أن يقلّد غيرهم ، فلأن نحكي خلافهم ونعدّه قولا أهون وأسلم من تكفيرهم . ونحن نحكي قول ابن عبّاس في الصرف ، والمتعة ، وقول الكوفيّين في النّبيذ ، وقول جماعة من الصّحابة في ترك الغسل من الجماع بلا إنزال ، ومع هذا فلا يجوز تقليدهم في ذلك [ ( 2 ) ] . فهؤلاء الظّاهرية كذلك ، يعتدّ بخلافهم ، فإن لم نفعل صار ما تفرّدوا به خارقا للإجماع ، ومن خرق الإجماع المتيقّن فقد مرق من الملّة . لكنّ الإجماع المتيقّن هو ما علم بالضّرورة من الدّين : كوجوب رمضان ، والحجّ ، وتحريم الزّنا ، والسّرقة ، والرّبا ، واللّواط . والظّاهرية لهم مسائل شنيعة ، لكنّها لا تبلغ ذلك ، واللَّه أعلم .
--> [ ( 1 ) ] سير أعلام النبلاء 13 / 105 . [ ( 2 ) ] سير أعلام النبلاء 13 / 108 ، وانظر تخريج الأحاديث عن ابن عباس في الحواشي .