الذهبي

435

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

بثوبه إليهم فجاءوا معهم ماء ، فسقوه وأخذوا بيده ، فقال لهم : الحقوا رفيقين لي ، فما شعرت إلّا برجل يصبّ الماء على وجهي ، ففتحت عينيّ ، فقلت : اسقني . فصبّ من الماء في مشربة قليلا ، فشربت ورجعت إليّ نفسي . ثمّ سقاني قليلا وأخذ بيدي ، فقلت : ورائي شيخ ملقى . فذهب جماعة إليه . وأخذ بيدي وأنا أمشي وأجرّ رجلي ، حتّى إذا بلغت عند سفينتهم وأتوا بالشيخ ، وأحسنوا إليه ، فبقينا أيّاما حتّى رجعت إلينا أنفسنا . ثمّ كتبوا لنا كتابا إلى مدينة يقال لها راية ، إلى وإليهم . وزوّدونا من الكعك والسّويق والماء . فلم نزل نمشي حتّى نفد ما كان معنا من الماء والقوت ، فجعلنا نمشي جياعا على شاطئ البحر ، حتّى دفعنا إلى سلحفاة مثل الفرس . فعمدنا إلى حجر كبير ، فضربنا على ظهرها فانفلق ، فإذا فيه مثل صفرة البيض ، فحسيناه حتّى سكت عنّا الجوع ، حتّى توصلنا إلى مدينة الرّاية وأوصلنا الكتاب إلى عاملها . فأنزلنا في داره . وكان يقدّم إلينا كلّ يوم القرع ، ويقول لخادمه : هات لهم اليقطين المبارك . فيقدّمه مع الخبز أيّاما . فقال واحد منّا : ألا تدعو باللّحم المشئوم . فسمع صاحب الدّار ، فقال : أنا أحسن الفارسيّة فإنّ جدّتي كانت هرويّة . وأتانا بعد ذلك باللّحم . ثم زوّدنا إلى مصر [ ( 1 ) ] . سمعت أبي يقول : لا أحصي كم مرّة سرت من الكوفة إلى بغداد [ ( 2 ) ] . توفّي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ، وله اثنان وثمانون سنة . قال : وأنشدني أبو محمد الإياديّ في أبي مرثيّة بقصيدة طويلة أوّلها : أنفسي ما لك لا تجزعينا * وعيني ما لك لا تدمعينا ألم تسمعي بكسوف العلو * م في شهر شعبان محقا مبينا ألم تسمعي خبر المرتضى * أبي حاتم أعلم العالمينا [ ( 3 ) ]

--> [ ( 1 ) ] تقدمة المعرفة 1 / 364 - 366 . [ ( 2 ) ] تقدمة المعرفة 1 / 367 . [ ( 3 ) ] تقدمة المعرفة 1 / 369 .