الذهبي
56
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ثم قال يحيى بن معين : ما كان يحدّث يقول : لست موضع ذلك [ ( 1 ) ] . وقال الصّوليّ : كان أحمد بن نصر من أهل الحديث . وكان أحمد بن نصر من أهل الحديث ، وكان هو وسهل بن سلامة حين كان المأمون بخراسان بايعا النّاس على الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، إلى أن قدم المأمون بغداد ، فرفق بسهل حتّى لبس السّواد ، وأخذ الأرزاق ، ولزم أحمد بيته . ثم إنّ أمره تحرّك ببغداد في آخر أيّام الواثق ، واجتمع إليه خلق يأمرون بالمعروف ، إلى أن ملكوا بغداد . وتعدّى رجلان من أصحابه موسرين ، فبذلا مالا ، وعزما على الوثوب ببغداد في شعبان سنة إحدى وثلاثين ، فنمّ الخبر إلى إسحاق بن إبراهيم ، فأخذ جماعة منهم ، فيهم أحمد بن نصر وصاحباه ، فقيّدهما . ووجد في منزل أحدهما أعلاما . وضرب خادما لأحمد ، فأقرّ أنّ هؤلاء كانوا يصيرون إليه ليلا فيعرّفونه ما عملوا . فحملهم إسحاق مقيّدين إلى سامرّاء فجلس لهم الواثق ، وقال لأحمد : دع ما أخذت له . ما تقول في القرآن ؟ قال : كلام اللَّه . قال : أمخلوق هو ؟ . قال : كلام اللَّه . قال : أفترى ربّك في القيامة ؟ . قال : كذا جاءت الرواية . قال : ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسّم ، ويحويه مكان ، ويحصره النّاظر ؟ أنا كفرت بربّ هذه صفته ، ما تقولون فيه ؟ . فقال عبد الرحمن بن إسحاق ، وكان قاضيا على الجانب الغربيّ ، فعزل : هو حلال الدّم . وقال جماعة من الفقهاء كقوله ، فأظهر ابن أبي دؤاد أنّه كاره لقتله ، وقال : يا أمير المؤمنين شيخ مختلّ ، لعلّ به عاهة ، أو تغيّر عقله . يؤخّر أمره ويستتاب . فقال الواثق : ما أراه إلّا مؤدّيا لكفره ، قائما بما يعتقده منه . ثم دعا بالصّمصامة وقال : إذا قمت إليه فلا يقومنّ أحد معي ، فإنّي أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الّذي يعبد ربّا لا نعبد ولا نعرفه بالصّفة الّتي وصفه بها .
--> [ ( 1 ) ] تاريخ بغداد 5 / 176 .