الذهبي
272
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
يجلّ عن الوصف ، وأمّا فلان فابتلي بأولاده [ ( 1 ) ] . رواها الحاكم عن محمد بن العبّاس الضّبّيّ عن أبي بكر هذا . قلت : كان حريث من كبار فقهاء الرأي ببخارى . قال محمد بن واصل البيكنديّ : منّ اللَّه علينا بخروج أبي عبد اللَّه ومقامه عندنا حتّى سمعنا منه هذه الكتب ، وإلّا من كان يصل إليه ؟ وبمقامه في فربر وبيكند بقيت هذه الأمالي وتخرّج النّاس به [ ( 2 ) ] . قال ابن عديّ : سمعت عبد القدّوس بن عبد الجبّار يقول : جاء البخاريّ إلى قرية خرتنك على فرسخين من سمرقند ، وكان له بها أقرباء فنزل عندهم ، فسمعته ليلة يدعو وقد فرغ من صلاة اللّيل : اللّهمّ قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت ، فاقبضني إليك . فما تمّ الشّهر حتّى مات ، وقبره بخرتنك . وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت غالب بن جبريل ، وهو الّذي نزل عليه أبو عبد اللَّه ، يقول : أقام أبو عبد اللَّه عندنا أيّاما فمرض ، واشتدّ به المرض حتّى وجّه رسولا إلى سمرقند في إخراج محمد . فلمّا وافى تهيّأ للركوب ، فلبس خفّيه وتعمّم ، فلمّا مشى قدر عشرين خطوة أو نحوها وأنا آخذ بعضده ، ورجل آخر معي يقود الدّابّة ليركبها ، فقال رحمه اللَّه : أرسلوني فقد ضعفت . ودعا [ ( 3 ) ] بدعوات ، ثمّ اضطجع ، فقضى رحمه اللَّه ، فسال منه من العرق شيء لا يوصف . فما سكن منه العرق إلى أن أدرجناه في ثيابه . وكان فيما قال لنا وأوصى إلينا أن : كفّنوني في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة . ففعلنا ذلك . فلمّا دفنّاه فاح من تراب قبره رائحة غالية أطيب من المسك ، فدام ذلك أيّاما . ثمّ علت سواريّ بيض في السّماء مستطيلة بحذاء قبره ، فجعل النّاس يختلفون ويتعجّبون . وأمّا التّراب فإنّهم كانوا يرفعون عن القبر ، ولم نكن نقدر على حفظ القبر بالحرّاس [ ( 4 ) ] ، وغلبنا على أنفسنا ، فنصبنا على القبر خشبا مشبّكا
--> [ ( 1 ) ] تاريخ بغداد 2 / 33 ، 34 ، تهذيب الكمال 3 / 1172 ، سير أعلام النبلاء 12 / 465 ، طبقات الشافعية الكبرى للسيوطي 2 / 233 ، مقدّمة فتح الباري 494 . [ ( 2 ) ] سير أعلام النبلاء 12 / 465 ، 466 وفيه : « بقيت هذه الآثار فيها » . [ ( 3 ) ] في الأصل : « دعي » ، وهو غلط . [ ( 4 ) ] الوافي بالوفيات 2 / 208 .