الذهبي
267
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
القرآن المتلوّ المثبت في [ المصاحف ، المسطور ] [ ( 1 ) ] المكتوب الموعى في القلوب ، فهو كلام اللَّه ليس بمخلوق . قال اللَّه تعالى : هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [ ( 2 ) ] . وقال : يقال فلان حسن القراءة ورديء القراءة . ولا يقال : حسن القرآن ، ولا رديء القرآن . وإنّما ينسب إلى العباد القراءة ، لأنّ القرآن كلام الرّبّ ، والقراءة فعل العبد . وليس لأحد أن يشرع في أمر اللَّه بغير علم ، كما زعم بعضهم أنّ القرآن بألفاظنا وألفاظنا به شيء واحد . والتّلاوة هي المتلوّ ، والقراءة هي المقرئ . فقيل له : إنّ القراءة فعل القارئ وعمل التّالي . فرجع وقال : ظننتهما مصدرين . فقيل له : هلّا أمسكت كما أمسك كثير من أصحابك ؟ ولو بعثت إلى من كتب عنك واسترددت ما أثبتّ وضربت عليه . فزعم أن كيف يمكن هذا ؟ وقال : قلت ومضى قولي . فقيل له : كيف جاز لك أن تقول في اللَّه شيئا لا تقوم به شرحا وبيانا ؟ إذ لم تميّز بين التّلاوة والمتلوّ . فسكت إذ لم يكن عنده جواب . وقال أبو حامد الأعمش : رأيت البخاريّ في جنازة سعيد بن مروان ، والذّهليّ يسأله عن الأسماء والكنى والعلل ، ويمرّ فيه البخاريّ مثل السّهم ، فما أتى على هذا شهر حتّى قال الذّهليّ : ألا من يختلف إلى مجلسه فلا يأتنا . فإنّهم كتبوا إلينا من بغداد أنّه تكلّم في اللّفظ ، ونهيناه فلم ينته فلا تقربوه . فأقام البخاريّ مدّة وخرج إلى بخارى [ ( 3 ) ] . قال أبو حامد بن الشّرقي : سمعت محمد بن يحيى الذّهليّ يقول : القرآن كلام اللَّه غير مخلوق من جميع جهاته وحيث تصرّف . فمن لزم هذا استغنى عن اللّفظ . ومن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد كفر وبانت منه امرأته .
--> [ ( 1 ) ] في الأصل بياض ، والمستدرك من : تاريخ بغداد . [ ( 2 ) ] سورة العنكبوت ، الآية 49 . [ ( 3 ) ] تاريخ بغداد ، تهذيب الأسماء واللغات ج 1 ق 1 / 69 ، سير أعلام النبلاء 12 / 455 ، طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2 / 229 .