الذهبي

246

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وقال إمام الأئمّة ابن خزيمة : ما رأيت تحت أديم السّماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاريّ [ ( 1 ) ] . وقال ابن عديّ : سمعت عدّة مشايخ يحكون أنّ البخاريّ قدم بغداد فاجتمع أصحاب الحديث ، وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها ، وجعلوا متن هذا لإسناد هذا ، وإسناد هذا لمتن هذا ، ودفعوا إلى كلّ واحد عشرة أحاديث ليلقوها على البخاريّ في المجلس . فاجتمع النّاس ، وانتدب أحدهم فقال ، وسأله عن حديث من تلك العشرة ، فقال : لا أعرفه . فسأله عن آخر ، فقال : لا أعرفه . حتّى فرغ العشرة . فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون : الرجل فهم . ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز . ثمّ انتدب آخر ففعل كفعل الأوّل ، والبخاريّ يقول لا أعرفه . إلى أن فرغ العشرة أنفس ، وهو لا يزيدهم على : لا أعرفه . فلمّا علم أنّهم قد فرغوا ، التفت إلى الأول فقال : أمّا حديثك الأوّل فإسناده كذا وكذا ، والثّاني كذا وكذا ، والثّالث . . . . إلى آخر العشرة . فردّ كلّ متن إلى إسناده ، وفعل بالثّاني مثل ذلك إلى أن فرغ ، فأقرّ له النّاس بالحفظ [ ( 2 ) ] . وقال يوسف بن موسى المروروذيّ : كنت بجامع البصرة إذا سمعت مناديا ينادي : يا أهل العلم ، لقد قدم محمد بن إسماعيل البخاريّ . فقاموا في طلبه ، وكنت فيهم ، فرأيت رجلا شابّا يصلّي خلف الأصطوانة ، فلمّا فرغ أحدقوا به ، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء ، فأجابهم . فلمّا كان من الغد اجتمع كذا كذا ألف ، فجلس للإملاء وقال : يا أهل البصرة أنا شابّ ، وقد سألتموني أن أحدّثكم وسأحدّثكم بأحاديث عن أهل بلدكم تستفيدون الكلّ : ثنا عبد اللَّه بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد بلدّيّكم ،

--> [ ( 1 ) ] التقييد لابن النقطة 32 ، وتهذيب الأسماء واللغات ج 1 ق 1 / 431 ، طبقات الشافعية الكبرى 2 / 218 ، مقدّمة فتح الباري 486 . [ ( 2 ) ] تاريخ بغداد 2 / 20 ، 21 ، وفيات الأعيان 4 / 190 ، تهذيب الكمال 3 / 171 ، سير أعلام النبلاء 12 / 409 ، طبقات الشافعية للسبكي 2 / 218 ، 219 ، مقدّمة فتح الباري 486 ، 487 ، مرآة الجنان 2 / 167 ، 168 .