الذهبي

52

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

وأمسينا ليلة مع إبراهيم وليس لنا شيء نفطر عليه ، فرآني حزينا ، فقال : يا ابن بشّار ، ما ذا أنعم اللَّه على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة في الدنيا والآخرة ؟ لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ، ولا حجّ ، ولا صدقة ، ولا صلة رحم . لا تغتمّ ، فرزق اللَّه مضمون ، سيأتيك . نحن واللَّه الملوك الأغنياء ، نحن واللَّه الذين تعجّلنا الراحة ، لا نبالي على أيّ حال أصبحنا وأمسينا إذا أطعنا اللَّه . ثم قام إلى صلاته ، وقمت إلى صلاتي ، فما لبثنا الّا ساعة ، فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير ، فوضعه ، فقال : كل يا مغموم ، فدخل سائل فقال : أطعمونا فدفع إليه ثلاثة أرغفة مع تمر ، وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين [ ( 1 ) ] . وكنت مارّا مع إبراهيم ، فأتينا على قبر مسنّم ، فترحّم عليه ، وقال : هذا قبر حميد [ ( 2 ) ] بن جابر أمير هذه المدن كلها ، كان غرق في بحار الدنيا ثم أخرجه اللَّه منها [ ( 3 ) ] . بلغني أنّه سرّ ذات يوم بشيء ونام ، فرأى رجلا بيده كتاب ، فناوله ففتحه ، فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب : لا تؤثرنّ ، فإننا على باق ، ولا تغترّنّ بملكك ، فإنّ ما أنت فيه جسيم ، لولا أنّه عديم ، وهو ملك ، لولا أنّ بعده هلك ، وفرح وسرور ، لولا أنّه لهو وغرور - وهو يوم لو كان يوثق له بغد ، فسارع إلى أمر اللَّه ، فإنّ اللَّه قال : سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [ ( 4 ) ] فانتبه فزعا وقال : هذا تنبيه من اللَّه وموعظة ، فخرج من ملكه وقصد هذا الجبل ، فعبد اللَّه فيه حتى مات [ ( 5 ) ] . إسحاق بن الضيف : ثنا عليّ بن محمد المعلّم ، عن أبيه ، أنّ

--> [ ( 1 ) ] حلية الأولياء 7 / 370 ، تهذيب تاريخ دمشق 2 / 182 ، طبقات الأولياء لابن الملقّن 8 رقم 5 . [ ( 2 ) ] في تهذيب تاريخ دمشق « حمد » والمثبت يتفق مع التذكرة الحمدونية . [ ( 3 ) ] تهذيب تاريخ دمشق 2 / 196 ، التذكرة الحمدونية 1 / 174 ، 175 ، رقم 401 . [ ( 4 ) ] سورة آل عمران ، الآية 133 . [ ( 5 ) ] تهذيب تاريخ دمشق 2 / 196 .