الذهبي
41
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ولما نزل « باخمرا » كتب إليه سلم بن قتيبة : إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به على الموت ، فخندق على نفسك ، فإن كنت لم تفعل ، فقد أعرى المنصور عسكره ، فخفّ في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه ، فعرض ذلك إبراهيم على قوّاده فقالوا : نخندق على نفوسنا ونحن ظاهرون عليهم ! واللَّه لا نفعل . وقال بعضهم : أنأتيه وهو في أيدينا متى أردنا ؟ وقال آخر : لما التقى الجمعان قلت لإبراهيم : إن الصف إذا انهزمت تعبئته تداعى ، فاجعلنا كراديس ، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس ، فتنادى أصحابه : لا لا ، إلا تعبئة أهل الشام وقتالهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [ ( 1 ) ] . وقال آخر : أتيت إبراهيم فقلت : إنهم مصبحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس في السلاح والكراع ، وإنما معك [ ( 2 ) ] رجال عراة ، فدعنا نبيّتهم ، فقال : إني أكره القتل . فقلت : تريد الملك وتكره القتل ! والتقوا « بباخمرا » ، وهي على يومين من الكوفة ، فاشتدّ الحرب ، والتحم القتال ، فانهزم حميد ابن قحطبة ، وكان على المقدّمة ، فانهزم الجيش ، فناشدهم عيسى بن موسى اللَّه تعالى ، ومرّ الناس ، فثبت عيسى في مائة فارس من خواصّه ، فقيل له : لو تنحّيت فقال : لا أزول حتى أقتل أو أفتح ، ولا يقال انهزم [ ( 3 ) ] . وعن عيسى قال : لما رأى المنصور توجيهي إلى إبراهيم قال : إن المنجّمين يزعمون إنك لاقيه ، وإن لك جولة ، ثم يفيء [ ( 4 ) ] إليك أصحابك ، فكان كما قال ، فلقد رأيتني وما معي ثلاثة أو أربعة ، فقال غلامي : علام تقف ؟
--> [ ( 1 ) ] قرآن كريم - سورة الصف - الآية 4 . [ ( 2 ) ] في نسخة القدسي 6 / 25 « فعل » والتصحيح من الطبري 7 / 644 . [ ( 3 ) ] الطبري 7 / 644 و 645 . [ ( 4 ) ] في الأصل « بقي » .