الذهبي
386
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
وقال الزّهري : أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ، أنّ ابن مسعود كره لزيد نسخ المصاحف وقال : يا معشر المسلمين أعزل عن نسخ المصاحف ويتولّاها رجل غيري ، واللَّه لقد أسلمت وإنّه لفي صلب أبيه ، يا أهل الكوفة : اكتموا المصاحف التي عندكم وغلّوها [ ( 1 ) ] . قلت : قال ذلك لما جعل عثمان زيد بن ثابت على كتابة المصاحف ، وتطلّب سائر مصاحف الصحابة ليغسلها أو يحرّقها ، فعل ذلك ليجمع الأمّة على مصحف واحد . قال أبو وائل : خطب ابن مسعود وقال : غلّوا مصاحفكم ، كيف يأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت [ ( 2 ) ] ، وقد قرأت من في رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم
--> [ ( ) ] والخطيب البغدادي في « الرحلة في طلب الحديث » برقم ( 25 ) ، والطبراني 9 / 68 . [ ( 1 ) ] رجاله ثقات ، لكنه منقطع ، فقد أرسل عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن عمّ أبيه عبد اللَّه بن مسعود ، وأخرجه الترمذي في التفسير ، ضمن حديث رقم ( 3104 ) باب : ومن سورة التوبة ، وابن أبي داود في « المصاحف » ص 17 ، وانظر الفتح الباري 9 / 17 باب جمع القرآن ، وسير أعلام النبلاء 1 / 487 . [ ( 2 ) ] قال ابن كثير : في البداية والنهاية 7 / 218 . فكتب إليه عثمان يدعوه إلى اتّباع الصّحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك وجمع الكلمة وعدم الاختلاف ، فأناب وأجاب إلى المتابعة وترك المخالفة رضي اللَّه عنهم أجمعين . وانظر سير أعلام النبلاء 1 / 488 . ويقول المرحوم الأستاذ الكوثري : إنّ ابن مسعود رضوان اللَّه عليه بعد أن أبدى استياءه من عدم توليته أمر الكتابة ، وافق الجماعة على هذا العمل الحكيم . وكان زيد بن ثابت - عليه رضوان اللَّه - هو الّذي قام بكتابة القرآن ، ومعه رهط في عهد عثمان ، كما كان هو القائم بها في عهد أبي بكر - رضوان اللَّه عليهم - فليس لابن مسعود أن يغضب من تولية عثمان زيدا أمر نسخ القرآن وكتابته ، لأنه هو الّذي كان وقع عليه الاختيار في العهدين ، بسبب أنّ زيدا كان أكثر كتّاب الوحي ملازمة للنّبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم في كتابة الوحي على شبابه وقوّته وجودة خطّه ، ولأبي بكر وعثمان أسوة حسنة برسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم في اختياره لكتابة المصحف الكريم ، على أنّ طول ممارسته لمهمّة كتابة القرآن يجعله جاريا على نمط واحد في الرّسم . واتّحاد الرسم في جميع أدوار كتابة القرآن أمر مطلوب جدا . وتحميل مثل هذا العمل الشاقّ للشيوخ من الصّحابة فيه إرهاق . وليس أحد من الصحابة ينكر فضل ابن مسعود وسبقه واتّساعه في معرفة القرآن وعلومه ، لكنّهم لا يرون وجها لاستيائه من هذا الأمر ، وهو القائم بمهمّة عظيمة في الكوفة ، يفقّه أهلها في دين اللَّه ويعلّمهم