الذهبي
35
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
--> [ ( ) ] لقّب الوحي خالدا بلقب « سيف اللَّه » تشريفا له ، أفلا يكون من المحال أن يصف الوحي بهذا اللّقب سفّاكا فاجرا ؟ ! وأمّا أداء الصّدّيق ديته من بيت المال فاقتداء بالمصطفى صلى اللَّه عليه وسلّم فيما فعله في وقعة بني جذيمة تهدئة للخواطر وتسكينا للنفوس في أثناء ثورانها ، مراعاة للأبعد في باب السياسة ، وإنّما عابه على النّكاح في أثناء الحرب على خلاف تقاليد العرب . وأمّا ما يعزى إلى عمر رضي اللَّه عنه من الكلمات القاسية في خالد ، فيكفي في إثبات عدم صحّتها قول عمر عند عزله خالدا : ( ما عزلتك عن ريبة ) بل لو صحّ ذلك عنه لرماه بالجنادل وقتله رجما بالحجارة ، لأنّ الإسلام لا يعرف المحاباة . . . ولا شكّ أنّ خالدا من أعاظم المجتهدين في علم تعبئة الجيوش وتدبير الحروب فلو تنزّلنا غاية التنزّل وقلنا إنّه أخطأ في قتله - وهو شاهد - وأصاب من استنكر عمله - وهو غائب - وجب الاعتراف بأنّ الإثم مرفوع عنه ، وإليه يشير ما يروى عن أبي بكر أنّه قال : هبه يا عمر تأوّل فأخطأ فارفع لسانك عن خالد . على أنّ خالدا أخذ في عمله بالظاهر الراجح فيكون غير متأوّل في الحقيقة ، وليس في استطاعة أحد أن يسوق سندا واحدا صحيحا يصم خالدا بمخالفة الشرع في هذه المسألة ، مع أنّ خبر الآحاد لا يفيد علما في مثل هذا الموضوع ، وهذا المطلب علميّ يحتاج إلى دليل يفيد العلم . وأمّا أسطورة التأثيف فغير ثابتة لأنّها من مقطوعات ابن شهاب الزّهريّ ، ومراسيله شبه الريح عند يحيى بن سعيد القطّان وغيره ، وسماع ابن عقبة منه ينفيه الحافظ الإسماعيل كما في ( أحكام المراسيل ) و ( تهذيب التهذيب ) . ويقول ابن معين في محمد بن فليح الراويّ عن ابن عقبة : ليس بثقة ، والزّبير بن بكّار الراويّ عنه كثير المناكير . وخالد بطل عظيم من أبطال الإسلام ، وقائد عبقريّ له مواقف عظيمة في سبيل الإسلام في مؤتة وبلاد اليمن والشام والعراق ، وبه زال أهل الرّدّة من الوجود ، فتصوير مثله بصورة رجل شهوانيّ سفّاح ممّا ينادى على مصوّرة بالويل والثبور . ولا يخفى على القارئ الكريم مبلغ سعي أعداء الإسلام في كل دور ، ووجوه تجدّد مكرهم في كلّ طبقة ، فمن ألوان مكرهم في عهد تدوين الروايات اندساس أناس منهم بين نقلة الأخبار متلفعين بغير أزيائهم لترويج أكاذيب بينهم لتشويه سمعة الإسلام وسمعة القائمين بالدعوة إلى الإسلام ، فراجت تلك الأخبار على نقلة لم يؤتوا بصيرة نافذة فخلّدوها في الكتب ، لكنّ اللَّه سبحانه أقام ببالغ فضله جهابذة تضع الموازين القسط لتعرف الأنباء الصّافية العيار من بهرج الأخبار ، فأصبحت شؤون الإسلام وأنباء الإسلام في حرز أمين من دسّ الدّساسين عند من يحذق وزنها بتلك الموازين . ومن رجال كتب السّير محمد بن إسحاق ، وقد كذّبه كثير من أهل النقد ، ومن قوّاه اشترط في رواياته شروطا لا تتوفّر في مواضع الريبة من مروياته ، وروايته زياد البكائي مختلف فيه ، ضعّفه النّسائيّ ، وتركه ابن المديني ، وقال أبو حاتم : لا يحتجّ به ، ومنهم هشام بن محمد الكلبيّ وأبوه ، وهما معروفان بالكذب . ومنهم محمد بن عمر الواقديّ وقد كذّبه أناس ، والذين وثّقوه لا ينكرون أنّ في رواياته كثيرا من الأخبار الكاذبة ، لأنّه كان يروي عمّن هبّ ودبّ ، والخبر لا يسلم ما لم يسلم سنده . ومنهم سيف بن عمر التميميّ ، يقول عنه أبو حاتم : متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقديّ ، وقال الحاكم : اتهم بالزّندقة وهو في الرواية ساقط ، وقال ابن