الذهبي
361
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
بزغت قال : « ارتحلوا » ، فسار بنا حتى ابيضّت الشمس ، فنزل فصلّى بنا ، واعتزل رجل فلم يصلّ ، فلمّا انصرف قال : « يا فلان ما منعك أن تصلّي معنا » ؟ قال : أصابتني جنابة ، فأمره أن يتيمّم بالصّعيد ، ثم صلّى ، وجعلني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم في ركوب بين يديه أطلب الماء ، وكنّا قد عطشنا عطشا شديدا ، فبينا نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين [ ( 1 ) ] ، قلنا لها : أين الماء ؟ قالت : أيهات [ ( 2 ) ] فقلنا : كم بين أهلك وبين الماء ؟ قالت : يوم وليلة ، فقلنا : انطلقي إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قالت : وما رسول اللَّه ؟ فلم نملّكها من أمرها شيئا حتى استقبلنا بها رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم فحدّثته أنّها مؤتمة [ ( 3 ) ] ، فأمر بمزادتيها فمجّ [ ( 4 ) ] في العزلاوين [ ( 5 ) ] العلياوين ، فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتّى روينا وملأنا كلّ قربة معنا وكلّ إداوة . وغسّلنا صاحبنا ، وهي تكاد تضرّج [ ( 6 ) ] من الماء ، ثمّ قال لنا : « هاتوا ما عندكم » ، فجمعنا لها من الكسر والتمر ، حتى صرّ لها صرّة فقال : « اذهبي فأطعمي عيالك ، واعلمي أنّا لم نرزأ من مائك شيئا » ، فلمّا أتت أهلها قالت : لقد أتيت أسحر النّاس ، أو هو نبيّ كما زعموا ، فهدى اللَّه ذلك الصّرم [ ( 7 ) ] بتلك المرأة ، فأسلمت وأسلموا . اتّفقا عليه [ ( 8 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] المزادة : بفتح الميم والزاي . قربة كبيرة ، يزاد فيها جلد . ( فتح الباري ) . [ ( 2 ) ] كذا في الأصل و ( ع ) ونسخة دار الكتب ، وهي لغة في « هيهات » ، وفي صحيح مسلّم « أيهاه ، أيهاه » . [ ( 3 ) ] أي ذات أيتام . [ ( 4 ) ] هكذا في الأصل وصحيح مسلّم ، وفي صحيح البخاري « فمسح » . [ ( 5 ) ] تثنية عزلاء : فم القربة . [ ( 6 ) ] أي تنشقّ . وفي صحيح البخاري « تنضّ من الملء » ، وفي صحيح مسلّم « تنضرج » . [ ( 7 ) ] الصّرم : أبيات مجتمعة ، وهم النفر ينزلون بأهليهم على الماء . [ ( 8 ) ] أخرجه البخاري 4 / 168 - 169 في المناقب ، باب علامات النبوّة في الإسلام ، ومسلّم ( 682 ) في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها ، وعبد الرزاق في المصنف 11 / 277 - 278 رقم ( 20537 ) في باب النّبوّة .