الذهبي

333

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

أرى شيئا ، ثمّ يقولون : ( جاء محمد ) ، فأسعى ، حتى جاء النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلّم وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض جدر المدينة ، ثمّ بعثنا رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار قال : فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار ، حتى انتهوا إليهما ، فقالوا : انطلقا آمنين مطاعين ، فأقبل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وصاحبه بين أظهرهم ، فخرج أهل المدينة ، حتّى إنّ العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن : أيّهم هو ؟ قال : فما رأينا منظرا شبيها به يومئذ . صحيح [ ( 1 ) ] . وقال الوليد بن محمد الموقريّ وغيره ، عن الزّهري قال : فأخبرني عروة أنّ الزّبير كان في ركب تجّار بالشام ، فقفلوا إلى مكة ، فعارضوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم وأبا بكر بثياب بياض ، وسمع المسلمون بمخرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فكانوا يغدون كلّ غداة إلى الحرّة فينتظرونه ، حتى يردّهم نحر الظّهيرة [ ( 2 ) ] ، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظاره ، فلمّا أووا إلى بيوتهم ، أوفى رجل من يهود أطما [ ( 3 ) ] من آطامهم لشأنه ، فبصر برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ب « أصحابه مبيّضين [ ( 4 ) ] يزول بهم السّراب فلم يملك اليهوديّ أن قال بأعلى صوته : يا معشر العرب هذا جدّكم الّذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السلام ، فلقوا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بظهر الحرّة ، فعدل بهم رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ذات اليمين ، حتى نزل في بني عمرو بن عوف من الأنصار ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، فقام أبو بكر يذكّر النّاس ، وجلس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صامتا ، فطفق من جاء من الأنصار ممّن لم ير رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يحسبه أبا بكر ، حتى أصابت الشمس رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فأقبل أبو بكر حتى ظلّل عليه بردائه ،

--> [ ( 1 ) ] رواه الإمام أحمد في مسندة كما في سيرة ابن كثير 2 / 268 - 269 ، وأبو نعيم في دلائل النبوّة 2 / 114 . [ ( 2 ) ] هو حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع ، كأنّها وصلت إلى النحر . [ ( 3 ) ] الأطم : الحصن . [ ( 4 ) ] أي عليهم الثياب البيض .