الذهبي
258
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
عائشة ، وأمّا الروايات عن ابن مسعود ، فإنّما فيها تفسير ما في النّجم ، وليس في قوله ما يدلّ على نفي الرّؤية للَّه . وذكرها في الصحيح وغيره . قال يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس قال : كان أبو ذرّ يحدّث أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم قال : فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل ففرج صدري ، ثم غسّله من ماء زمزم ، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، ثمّ أفرغها [ ( 1 ) ] في صدري ، ثمّ أطبقه ، ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدنيا ، فقال لخازنها : افتح ، قال : من هذا ؟ قال : جبريل ، قال : هل معك أحد ؟ قال : نعم محمد ، قال : أرسل إليه ؟ قال : نعم ، ففتح ،
--> [ ( ) ] وهما ، بيانها في شروح البخاري . . . . وقد اشتدّ نكير المحقّقين على رواية شريك ، من أمثال مسلّم والخطّابيّ . والجمهور على أنّ الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ، وأنّهما بالروح والجسد معا ، يقظة ، ولا مجيد عن ذلك بعد صحّة الخبر ، وتمام الاعتقاد بقدرة القادر الحكيم الشاملة لكل ممكن ، وردّ ذلك كلّه إلى عالم المثال الّذي يتخيّله صاحب « حجّة اللَّه البالغة » على عادته في المشاكل - خروج عن الجادّة بدون أيّ حجّة ناهضة . وأمّا ما يروى عن عائشة رضي اللَّه عنها من قولها : ما فقد جسد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلّم لكنّه أسري بروحه ، فغير ثابت عنها البتّة ، لأنّه من رواية ابن إسحاق المتوفّى في منتصف القرن الثاني من إدراك زمن عائشة ، وأمّا ما يروى عن معاوية من أنّ الإسراء رؤيا صادقة ، فغير ثابت عنه أيضا ، للانقطاع بين شيخ ابن إسحاق يعقوب بن عتبة ، وبين معاوية ، لأنّه توفّي سنة 128 ، واين هذا التاريخ من وفاة معاوية . فلا يصحّ التعويل على مثل تلك الأخبار المنقطعة في ادّعاء أنّ الإسراء روحانيّ فقط ، أو في حالة النّوم فقط . وقد اختلف في ليلة المعراج متى كانت ، والّذي رجّحه النّوويّ في « الروضة » أنّها الليلة السابعة والعشرون من رجب ، وإليه ذهب ابن الأثير والرافعيّ ، ومن قال إنّها قبل سنة ونصف من الهجرة ، يكون يرى هذا الرأي مثل ابن قتيبة ، وابن عبد البرّ ، لأنّ الهجرة كانت في ربيع الأول ، فالسنة قبلها من صفر إلى صفر تراجعا ، والستّة الأشهر قبلها من المحرّم إلى شعبان بالتراجع ، فتكون الأيام الثلاثة من آخر رجب غير مذكورة تركا للكسر في الطرفين ، وعلى ذلك عمل الأمّة . وهذا العروج ليس للتقرّب منه تعالى ، لأنّ القرب منه لا يكون بالمسافة ، قال تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ، وقال صلى اللَّه عليه وسلّم : « أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد » . [ ( 1 ) ] في حاشية الأصل هنا : ( فأقره ) بدلا من ( أفرغها ) الواردة في صلب الأصل ، وصحيح مسلّم والبخاري .