الذهبي
193
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
أيّها الملك ، كنّا قوما أهل جاهليّة نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويّ منّا الضّعيف ، فكنّا على ذلك ، حتى بعث إلينا رسولا منّا نعرف نسبه ، وصدقه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى اللَّه لنوحّده ونعبده ، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة ، وأمرنا بالصّدق والأمانة وصلة الرّحم ، وعدّد عليه أمور الإسلام ، فصدّقناه واتّبعناه ، فعدا علينا قومنا فعذّبونا ، وفتنونا عن ديننا ، وضيّقوا علينا ، فخرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيّها الملك ، قالت : قال : وهل معك ممّا جاء به عن اللَّه من شيء ؟ قال جعفر : نعم ، وقرأ عليه صدرا من كهيعص [ ( 1 ) ] فبكى واللَّه النّجاشيّ ، حتى اخضلّ [ ( 2 ) ] لحيته ، وبكت أساقفته ، حتى أخضلوا مصاحفهم ، ثم قال النّجاشيّ : إنّ هذا ، والّذي جاء به موسى [ ( 3 ) ] ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا ، فلا واللَّه لا أسلّمهم إليكما ولا يكاد [ ( 4 ) ] . قالت : فلمّا خرجا من عنده قال عمرو : واللَّه لآتينّهم غدا بما أستأصل به خضراءهم ، فقال له ابن أبي ربيعة ، وكان أتى الرجلين فينا : لا تفعل ، فإنّ لهم أرحاما ، قال : واللَّه لأخبرنّه أنّهم يزعمون أنّ عيسى عبد ، ثم غدا عليه ، فقال له ذلك ، فطلبنا ، قالت : ولم ينزل بنا مثلها ، فاجتمع القوم ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول ، واللَّه ، ما قال اللَّه كائنا في ذلك ما كان ، فلمّا دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى ابن مريم ؟ فقال له جعفر بن أبي طالب : نقول هو عبد اللَّه ورسوله ، وروحه ، وكلمته ، ألقاها إلى مريم العذراء البتول ،
--> [ ( 1 ) ] سورة مريم ، الآية 1 . [ ( 2 ) ] في سيرة ابن هشام 2 / 88 « اخضلّت » . [ ( 3 ) ] هكذا في الأصل و ( الدرر لابن عبد البر ) ، وفي نسخة دار الكتب ( عيسى ) . [ ( 4 ) ] في السيرة « يكادون » .