الذهبي

123

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام

البلاد ، وأشار إلى مكة واليمن ، قالوا : ومتى نراه ؟ قال ، فنظر إليّ وأنا حدث فقال : إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه ، قال سلمة : فو اللَّه ما ذهب اللّيل والنّهار حتى بعث اللَّه محمدا صلّى اللَّه عليه وسلّم وهو حيّ بين أظهرنا ، فآمنّا به وكفر به بغيا وحسدا ، فقلنا له : ويحك يا فلان ، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت ! قال : بلى ، ولكن ليس به [ ( 1 ) ] . حدّثني [ ( 2 ) ] عاصم بن عمر ، عن شيخ من بني قريظة قال لي : هل تدري عمّ كان الإسلام لثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عبيد ، نفر من إخوة بني قريظة ، كانوا معهم في جاهليّتهم ، ثم كانوا سادتهم في الإسلام ؟ قلت : لا واللَّه ، قال : إنّ رجلا من يهود الشام يقال له ابن الهيّبان [ ( 3 ) ] قدم علينا قبل الإسلام بسنين ، فحلّ بين أظهرنا ، واللَّه ما رأينا رجلا قطّ لا يصلّي الخمس أفضل منه ، فأقام عندنا فكان إذا قحط عنّا المطر يأمرنا بالصّدقة ويستسقي لنا ، فو اللَّه ما يبرح من مجلسه حتى نسقي ، قد فعل ذلك غير مرّتين [ ( 4 ) ] ولا ثلاث ، ثم حضرته الوفاة ، فلمّا عرف أنّه ميّت قال : يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر [ ( 5 ) ] والخمير ، إلى أرض البؤس ؟ قلنا : أنت أعلم ، قال : إنّما قدمت أتوكّف [ ( 6 ) ] خروج نبيّ قد أظلّ زمانه ، وهذه البلدة مهاجره ، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه ، وقد أظلّكم زمانه ، فلا تسبقنّ إليه يا معشر يهود ، فإنّه يبعث بسفك الدّماء وسبي الذّراريّ والنّساء ممّن خالفه ، فلا يمنعنكم ذلك منه .

--> [ ( 1 ) ] سيرة ابن هشام 1 / 245 ، 246 ، عيون الأثر 1 / 56 ، 57 . [ ( 2 ) ] القائل هو ابن إسحاق . [ ( 3 ) ] في الأصل « التيهان » ، والتصحيح من سيرة ابن هشام ، والروض الأنف 1 / 246 ، وعيون الأثر 1 / 58 ، ونهاية الأرب 16 / 144 وهو بفتح الهاء وكسر الياء المشدّدة وفتح الباء . [ ( 4 ) ] في السيرة وغيرها « غير مرّة ولا مرّتين ولا ثلاث » . [ ( 5 ) ] في السيرة الحلبية 1 / 185 « من أهل الخمر » بالتحريك ، وبإسكان الميم ، وهو الشجر الملتفّ » . [ ( 6 ) ] أتوقّع .